هذا تتمة مقال أهل الجنة واعترافهم الخالص بالنعمة، ورد الفضل كله إلى الله المنّان الذي تولى نجاتهم من العذاب الأليم.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٧٤)مصدر غير محدد٢٢/٤٧٤ عن مجاهد وقتادة في قوله: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا}: قال: فتفضل الله علينا بالرحمة والمغفرة والتوفيق، {وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ}: صرف عنا عذاب النار وسمومها الحارة النافذة في مسام البدن.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٣٨)مصدر غير محدد٧/٤٣٨: أي فتفضل علينا وأنعم، وصرف عنا ما كنا نخافه ونحذره، ووقانا عذاب السموم وهو الريح الحارة الشديدة التي تنفذ في مسام الجلد فتحرقه، وهي اسم من أسماء عذاب النار ولهيبها.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٧١)مصدر غير محدد١٧/٧١: السموم: الريح الحارة المؤذية التي تقتل بسمها؛ سميت بذلك لأنها تدخل في مسام العروق، وهي في الدنيا نهاراً وفي جهنم دائمة لا تنقطع.
وروى ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبيهقي في الشعب عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها كانت تقرأ هذه الآية: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} وتبكي وتدعو وتقول: «اللهم مُنّ عليَّ وقني عذاب السموم إنك أنت البر الرحيم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَمَنَّ}: الفاء عاطفة تفيد السببية والترتيب والتعقيب؛ أي فبسبب إشفاقنا وفضل ربنا منَّ الله علينا، منَّ فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، والمنّة لغة: الإنعام والإحسان العظيم الذي لا كفران له ولا عوض، مأخوذ من المَنّ وهو القطع أو الثقل بالنعمة.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
{عَلَيْنَا}: جار ومجرور متعلق بالفعل مَنّ.
{وَوَقَانَا}: الواو عاطفة، وقى فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على لفظ الجلالة، و(نا) ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول.
{عَذَابَ}: مفعول به ثان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{السَّمُومِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والسموم الريح الحارة النافذة التي تحرق المسام وتدخل في باطن البدن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترتيب الفاء السببية {فَمَنَّ}: ربط نجاة الآخرة بحال الإشفاق والدعاء في الدنيا؛ ليعلم كل مؤمن أن الخوف من الله والانكسار بين يديه في دار الغرور سبب تنزل مراحم الله ومنته في دار الجزاء.
المقابلة البلاغية بين {عَذَابَ السَّمُومِ} وبين ما هم فيه من ظل ظليل ونعيم مقيم وهواء عليل وغلمان كاللؤلؤ المكنون؛ فاستحضار هول السموم النافذة يضاعف الشعور ببرد النعيم ولطافة الجنات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مسألة المنة: لماذا تُحمد المنة من الله وتُذم من المخلوق كقوله: {لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى}؟
التحقيق العقلي والعقدي الصافي: المنة من المخلوق قبيحة ومذمومة؛ لأن المخلوق لم يخلق النعمة من العدم، وما أعطاه لغيره إنما هو مال الله استخلفه فيه، فإذا منّ به على أخيه فقد استعلى وتكبر وأذى صاحبه بغير حق؛ أما الله جل جلاله فهو خالق العباد ورازقهم وموجدهم من العدم وموفقهم للطاعة والعمل الصالح، فكل نعمة سابقة ولاحقة هي منه وإليه، فالمنة له وحده على الحقيقة لا شريك له، قال تعالى: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.
إبطال مذهب المعتزلة في وجوب الثواب عقلاً على الله: تدل الآية نصاً صريحاً على أن دخول الجنة والوقاية من النار منة وتفضل من الله ورحمة، لا استحقاق واجب على الله يفرضه العقل؛ فالمؤمنون في الجنة لم يقولوا: استوجبنا على الله بجده وطاعتنا، بل قالوا بلسان الاعتراف والعبودية: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا}.
الدقة البلاغية في وصف العذاب بـ{السَّمُومِ}: اختيار لفظ السموم هنا له روعة بيانية تتناسب مع ما تقدم في السورة؛ فالطور والبيت المعمور والبحر المسجور مشاهد ضخمة حارة، وتصوير عذاب النار بالسموم الذي يدخل مسام الجسد فيحرق الأغوار يمثل أقصى درجات الألم والعذاب، فالوقاية منه أعظم درجات الفوز والنجاة.
تكرار إسناد الوقاية إلى الله: تكرر هذا المعنى في الآية (١٨) {وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} وفي هذه الآية {وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ}؛ للدلالة على أن أعظم ما يرجوه المؤمن ويلهج بذكره هو النجاة من سخط الله وعذابه.
الإشارة التدبرية: بكاء أم المؤمنين عائشة عند هذه الآية وترديدها لها يعلم الأمة كيف تكون القراءة الواعية للقرآن؛ قراءة تحرك القلوب، وتستجلب الخشية، وتتحول إلى دعاء وتضرع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتراف بالفضل لله وحده: تربية العبد على هضم النفس وتجريد التوحيد، فلا يرى لنفسه فضلاً في طاعة ولا استقامة، بل يرى الفضل والمنة لله الذي هداه ووفقه وصرف عنه الفتن.
الاستعاذة الدائمة من عذاب النار: مداومة الدعاء بالوقاية من عذاب السموم، وجعل ذلك ورداً ثابتاً في أدعية الصباح والمساء وأدبار الصلوات.
تعظيم قدر العافية: تذكر نعمة الله بالأمن والستر والصحة، واستعمال هذه النعم في طاعة المنعم قبل فوات الأوان.