هذه الآية الكريمة هي بلسم التسلية وذروة الاحتضان الإلهي والرعاية الربانية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، بعد كل ما لاقاه من عناد المشركين وافترائهم وكيدهم.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٩١)مصدر غير محدد٢٢/٤٩١ عن قتادة في قوله: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}: قال: اصبر لما حكم به ربك وقضاه من تأخير نصرك عليهم وإمهالهم إلى آجالهم، واصبر على أذاهم وتكذيبهم وبلّغ رسالة ربك، {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} قال: بمرأى منا نحفظك ونكلؤك ونعصمك من الناس ولا يصلون إليك بسوء.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٣)مصدر غير محدد٧/٤٤٣: أي اصبر يا محمد على أذاهم واستمر في تبليغ رسالتك، ولا تبالِ بما يقولون ويدبرون، فإنك بمرأى منا وتحت رعايتنا وكلاءتنا وحفظنا لا نضيعك، {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ}: قال الضحاك والربيع: حين تقوم من نومك إلى الصلاة، وقيل: حين تقوم من أي مجلس كفارة للمجلس.
وروى أصحاب السنن بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك؛ إلا غُفر له ما كان في مجلسه ذلك».
وروى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته بذكر الله وتسبيحه وتحميده.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٨٠)مصدر غير محدد١٧/٨٠: {بِأَعْيُنِنَا} أي بحفظنا وحراستنا؛ وجمع العين لإفادة كمال الحفظ والاعتناء من جميع الجهات، كما قال لموسى عليه السلام: {وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَاصْبِرْ}: الواو استئنافية عاطفة، اصبر فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت، والصبر لغة حبس النفس عن الجزع واللسان عن الشكوى والجوارح عن المعصية.
{لِحُكْمِ}: اللام حرف جر للأجل والسببية؛ أي لأجل حكم ربك، أو بمعنى على (واصبر على حكم ربك)، حكم اسم مجرور باللام وهو مضاف.
{رَبِّكَ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، والكاف مضاف إليه.
{فَإِنَّكَ}: الفاء تعليلية، إن حرف توكيد ونصب، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها.
{بِأَعْيُنِنَا}: الباء للملابسة والظرفية المجازية، أعين اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة وهو مضاف، و(نا) ضمير متصل مبني في محل رفع مضاف إليه يعود على العظمة الإلهية، والجار والمجرور في محل رفع خبر إن، وجملة إن واسمها وخبرها تعليل للأمر بالصبر.
{وَسَبِّحْ}: الواو عاطفة، سبّح فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، والتسبيح تنزيه الله عن كل نقص.
{بِحَمْدِ}: الباء للملابسة؛ أي متلبساً بحمده وشكره، حمد اسم مجرور بالباء وهو مضاف.
{رَبِّكَ}: مضاف إليه مجرور، والكاف مضاف إليه.
{حِينَ}: ظرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة متعلق بسبح وهو مضاف.
{تَقُومُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والجملة الفعلية في محل جر مضاف إليه لحين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أرق هذا الختام وأعظمه موقعاً في النفس بعد زئير الوعيد وهدير البراهين العقلية المفحمة في السورة!
واجه النبي صلى الله عليه وسلم تهم الكهانة، والجنون، والشعر، والافتراء، والكيد، والمكر.
فجاء هذا النداء العلوي: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} ليملأ روحه الشريفة سكينة ودفئاً وأمناً، وليزيل عنه كل كدر ناله من لجاج القوم.
اقتران الصبر بالتسبيح والتحميد {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}: يبرهن على أن التسبيح والذكر هما زاد الصبر ومفتاح انشراح الصدر؛ كما قال تعالى في سورة الحجر: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير معتقد أهل السنة في إثبات صفة العين لله تعالى:
أثبت أهل السنة والجماعة صفة (العينين) لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته، بلا تمثيل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، عملاً بقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المتفق عليه في ذكر الدجال: «وإن ربكم ليس بأعور».
وقوله هنا: {بِأَعْيُنِنَا} خرج مخرج التعظيم والحفظ والرعاية التامة بمرأى من الله وحفظه وكلاءته، كما يقال في لغة العرب: فلان في عيني؛ أي في حفظي وحمايتي ومرأى مني.
فالآية تدل على كمال المراقبة الإلهية والحفظ الإلهي المعصوم لرسوله صلى الله عليه وسلم، بحيث لا يطرف جفن الكيد إلا والله كافيه وحاميه.
الاستعارة والتمثيل في {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}: أبلغ عبارات الحنان والرعاية والأمن في لغة العرب والقرآن؛ تشعر السامع بأنه محاط بعناية خاصة لا تخفى عنها خافية، فكيف يخشى مكر الماكرين من كان في عين الله ورعايته؟!
تكرار إضافة الرب إلى كاف الخطاب {رَبِّكَ} مرتين في آية واحدة: {لِحُكْمِ رَبِّكَ}... {بِحَمْدِ رَبِّكَ}؛ يفيض بالرحمة واللطف الإلهي الخاص برسم العلاقة بين الرب الرحيم وعبده المصطفى.
الإشارة التدبرية: قال بعض العارفين: من قرأ قوله تعالى: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} وهو في ضيق وشدة، فاضت في قلبه أنهار من الرضا، وهانت عليه مصائب الدنيا كلها؛ لأن البلاء إذا كان بعين الله ورضاه صار ألذ من العافية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ملازمة الصبر الجميل: تربية الدعاة والمؤمنين على الصبر على قضاء الله الشرعي بالثبات على الطاعة، وقضائه الكوني بتحمل الأذى وتأخر النصر، بيقين أن الله حكيم عليم.
التسبيح دواء ضيق الصدور: التعبد بورد التسبيح والتحميد عند كل نهوض وقيام، والحرص على كفارة المجلس؛ فإنها تمحو اللغو وتجدد الإيمان في القلوب.
الشعور بالمعية الإلهية: تدريب النفس على استحضار مراقبة الله في كل خطوة؛ فمن استشعر أنه بعين الله استحيا من معصيته وركن إلى حمايته وتوكّل عليه وحده.