هذه الآية الكريمة هي مسك الختام لسورة الطور العظيمة، تدعو إلى عمارة جوف الليل ومشارف الفجر بالتسبيح والصلاة والمناجاة الخالصة لله الواحد القهار.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٩٣)مصدر غير محدد٢٢/٤٩٣ بإسناده عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم في قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ}: قال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ}: هي صلاة الليل وقيامه، و{إِدْبَارَ النُّجُومِ}: الركعتان قبل صلاة الفجر (سنة الفجر).
وروى الطبري أيضاً عن قتادة ومجاهد: {إِدْبَارَ النُّجُومِ}: يعني صلاة الصبح عند انقضاء النجوم وأفولها بضوء النهار.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٣)مصدر غير محدد٧/٤٤٣: يقول تعالى: وسبحه في بعض ساعات الليل بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن، وسبحه عند إدبار النجوم؛ أي عند توليتها وغروبها في آخر الليل عند انبثاق الصباح، كما في الحديث الصحيح في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر، وقال: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها».
وقرأ الجمهور: {وَإِدْبَارَ} بكسر الهمزة؛ مصدراً لأدبر يدبر إدباراً، أي وقت إدبارها، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: {وَأَدْبَارَ} بفتح الهمزة جمع دُبُر، أي في أعقاب غروبها ومغيبها.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٨١)مصدر غير محدد١٧/٨١: ختم الله سورة الطور بالأمر بالعبادة والتسبيح في أطهر الأوقات وأصفاها؛ فالليل موطن الخلوة وسكون الجوارح، ووقت إدبار النجوم قبيل الصبح وقت نزول الرحمات والتجلي الإلهي لسائلي المغفرة بالأسحار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمِنَ}: الواو عاطفة، من حرف جر للتبعيض أو لابتداء الغاية الزمانية.
{اللَّيْلِ}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بسبحه مقدم عليه للاهتمام.
{فَسَبِّحْهُ}: الفاء رابطة متضمنة معنى الجزاء لشرط مقدر؛ أي وإذا كان الليل فسبحه، سبّح فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به يعود على الله جل جلاله.
{وَإِدْبَارَ}: الواو عاطفة، إدبار ظرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، وهو مصدر أدبر إذا ولى وذهب ضياؤه، ومعناه وقت إدبار ومغيب النجوم.
{النُّجُومِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والنجوم جمع نجم، وهي الكواكب المضيئة في صفحة السماء، وأفولها وإدبارها يكون عند تباشير الفجر الصادق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم ختام السورة وما أشد تناسق فواتحها مع خواتيمها!
هذا الائتلاف الكوني يربط حركة المؤمن في عبادته بحركة الأفلاك والنجوم؛ فالكون كله مسبح بحمد ربه، والمؤمن القائم في جوف الليل يندمج في هذه السيمفونية الكونية الخاشعة لرب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المقارنة بين سكون الليل وانبثاق النهار:
الليل مأوى الغفلة والنائمين، والناس في ظلامه مستغرقون في لذائذ النوم والدعة؛ فأن ينتصب المؤمن قائماً يسبح ويصلي في جوف الليل والأسحار، فهذا أصدق دليل عملي على تجرد إيمانه وخلوصه من الرياء؛ إذ لا أحد يراه في تلك الخلوة إلا الله تعالى.
وإدبار النجوم إيذان بميلاد يوم جديد يشرق بنور الشمس؛ فالتسبيح في هذا الوقت تطهير للروح وتهيؤ لمواجهة أعباء النهار وأذى المكذبين بطاقة إيمانية ونور رباني متجدد.
التعبير بـ{إِدْبَارَ النُّجُومِ}: تصوير شاعري كوني مهيب للحظات الشفق الصباحي وتراجع ضوء النجوم رويداً رويداً أمام خيوط الفجر، وكأن النجوم تسير وتنسحب خاشعة بعد أن أدت مهمتها، تاركة الساحة لنداء الصلاة والتسبيح.
تقديم الجار والمجرور {وَمِنَ اللَّيْلِ}: لتخصيص الليل بالذكر؛ لأن عبادة الليل أشد وطئاً وأقوم قيلاً، وفيها تصفو الأرواح وتتنزل النفحات.
الإشارة التدبرية: قيام الليل مدرسة الأنبياء والصالحين ومصنع الرجال؛ فمن أراد أن يصبر على حكم ربه وأن يكون تحت رعايته فليأخذ زاده من قيام الليل وتسبيح الأسحار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إحياء سنة قيام الليل والوتر: وصية عملية للمسلمين بالمحافظة على قيام الليل ولو بركعات يسيرة، والمواظبة على الاستغفار بالأسحار والتسبيح عند مطلع الصباح.
تعظيم ركعتي الفجر وفريضته: الحرص الشديد على صلاة الفجر في جماعة وركعتي سنتها؛ فإنهما زاد اليوم وبركة العمر وأمان للمسلم في ذمة الله حتى يمسي.
التناغم مع الكون المسبح: أن يستشعر المسلم في صلاته وتسبيحه أنه ليس وحيداً في هذا الوجود، بل يسبح معه الشجر والحجر والنجوم والأفلاك والملائكة الأطهار، فيمتلئ قلبه عزاً بالله وانشراحاً بنور الإيمان.