كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذه خاتمة السورة، وفيها تصوير لاستقصارهم مدة لبثهم في الدنيا حين يعاينون الساعة. والمعنى عند أهل التأويل: كأنهم يوم يرون القيامة لم يمكثوا في الدنيا ــ أو في قبورهم ــ إلا مقدار عشية أو ضحاها. و{عَشِيَّةً} آخر النهار من بعد الزوال إلى الغروب، و{ضُحَاهَا} أوله عند ارتفاع الشمس. قال جمهور المفسرين: يستقصرون مدة الدنيا كلها حتى تصير في تقديرهم بعض يوم. واختلفوا فيما استقصروه: أهو مدة الحياة الدنيا أم مدة البرزخ؟ والقولان صحيحان لا يتنافيان؛ فإن الاستقصار يقع في الأمرين. ونظير هذا في القرآن كثير؛ منه قوله سبحانه: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ}، وقوله: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ختمت السورة بأبلغ ما تُختم به سورة قامت على تقرير البعث. فقد كان إنكارهم كله مبنياً على استعظام الدنيا واستطالة أمدها واستبعاد ما بعدها؛ فجاءت الخاتمة لتهدم هذا الأساس بأن تجعل الدنيا كلها في تقديرهم يوم القيامة عشية أو ضحاها. ثم إن لفظ {ضُحَاهَا} يعيد إلى الذهن قوله في وسط السورة: {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا}؛ فالضحى الذي ذُكر برهاناً على القدرة يعود في الخاتمة مقياساً للزمن؛ وهذا من أبدع ما يكون في إحكام النظم؛ إذ ترتد الخاتمة إلى الوسط بلفظ واحد.