فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ
هذا جواب الله عن دعواه؛ جاء سريعاً حاسماً بغير مهلة في اللفظ وإن كانت فيه مهلة في الواقع. والمعنى: فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر فانتقم منه انتقاماً جعله عبرة. و{نَكَالَ} فسره أهل التأويل بالعقوبة التي يُنكَّل بها غيرُ المعاقَب، أي يُمنع بها عن مثل صنيعه. واختلف المفسرون في {الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ} على قولين مشهورين: الأول أن المراد عذاب الآخرة وعذاب الدنيا؛ فأخذه بالإغراق في الدنيا وبالنار في الآخرة كما قال سبحانه: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}. والثاني أن المراد كلمتاه: الأولى {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي} والآخرة {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ}؛ فأخذه نكالاً على الكلمتين. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية القولين عن أهل التأويل. والقولان لا يتنافيان؛ إذ يصح أن يكون الأخذ جامعاً للدارين وللكلمتين معاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الأخذ في آية واحدة بعد خمس آيات في تصوير الطغيان؛ فطالت مقدمات الجرم وقصر بيان العقوبة. وهذا مقصود؛ إذ الطغيان يستغرق زمناً والعقوبة تقع في لحظة. ثم إن إسناد الأخذ إلى لفظ الجلالة {اللَّهُ} بعد أن كانت الأفعال كلها مسندة إلى ضمير فرعون المستتر ــ كذّب، عصى، أدبر، حشر، نادى، قال ــ نقلة بالغة في النظم؛ فبعد سلسلة من أفعاله يظهر الفاعل الحقيقي في المشهد فيُنهي كل شيء بفعل واحد. وفي هذا الظهور المتأخر للاسم الأعظم في القصة أبلغ رد على من ادّعى الربوبية.