وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ
وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ
هذا القسم الثاني من القسمة، وفيه وصف الفريق الناجي بوصفين جامعين. و{خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} فسره أهل التأويل بوجوه متقاربة: أشهرها أنه خاف موقفه بين يدي ربه للحساب؛ فالمقام مصدر ميمي بمعنى القيام، أو اسم مكان للموقف. وقيل: المقام هنا مقام الله على عبده واطلاعه عليه؛ من قوله سبحانه: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}؛ فالمعنى: خاف اطلاع ربه عليه فتركه. و{نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ} أي منعها وكفّها عما تميل إليه مما حرم الله. قال جمهور المفسرين: زجرها عن شهواتها المحرمة وحملها على طاعة ربها. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية إلى أن الجمع بين الوصفين جامع لعمل القلب وعمل الجوارح. والهوى في اللغة: ميل النفس إلى ما تشتهيه؛ وأكثر ما يُستعمل في المذموم إذا أُطلق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): قوبل وصفا الفريق الأول بوصفي الفريق الثاني مقابلة دقيقة: قوبل الطغيان ــ وهو مجاوزة الحد ــ بخوف المقام الذي يحبس النفس عند الحد؛ وقوبل إيثار الحياة الدنيا بنهي النفس عن الهوى الذي هو الباعث على ذلك الإيثار. فالمقابلة ليست في الألفاظ فحسب بل في المعاني وأسبابها. ثم إن ترتيب الوصفين في الفريق الثاني كترتيبهما في الأول: بدء بعمل القلب ثم بعمل الجوارح في الأول ــ إذ الطغيان سلوك وإيثار الدنيا اعتقاد ــ وهنا بدء بعمل القلب وهو الخوف، ثم بعمل الإرادة وهو النهي؛ فتوازن البناءان توازناً تاماً.