وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا
انتقل السياق من الاحتجاج بالسماء إلى الاحتجاج بالأرض. و{دَحَاهَا} فسره أهل التأويل ببسطها ومدّها وتمهيدها للانتفاع؛ من «الدحو» وهو البسط والمد. قال جمهور المفسرين: دحاها أي بسطها ومهّدها وأخرج ما فيها من الماء والمرعى. وفي قوله {بَعْدَ ذَٰلِكَ} بحث معروف عند أهل التفسير؛ فإن ظاهره أن دحو الأرض كان بعد بناء السماء، وقد قال سبحانه في موضع آخر: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ}. وقد أجاب أهل التفسير عن هذا بأن خلق الأرض كان قبل السماء، وأما دحوها ــ وهو بسطها وإخراج مائها ومرعاها ــ فكان بعد بناء السماء؛ فالخلق غير الدحو، فلا تعارض. وهذا الجواب مأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما، ونقله الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ذكر الأرض بعد السماء على وفق ترتيب الحجاج لا على وفق ترتيب الخلق؛ إذ المقصود التدرج من الأعظم في نظر المخاطب إلى الأقرب إلى حاجته. فبُدئ بالسماء لأنها موضع الاستعظام، ثم انتُقل إلى الأرض لأنها موضع الانتفاع؛ فاجتمعت في الحجة داعية التعظيم وداعية الشكر. ثم إن هذا الترتيب يوازي ترتيب الحاجة في حياة الإنسان: سقف فوقه، ومهاد تحته، وماء ومرعى وجبال. وبهذا يكون البرهان الكوني في السورة قد استوعب طرفي عالم المخاطب: ما لا يمسه وما يعيش عليه.