فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا
فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا
هذا جواب سؤالهم. واختلف أهل التأويل في معنى الآية على قولين مشهورين: الأول أن الاستفهام إنكاري؛ أي: في أي شيء أنت من ذكراها حتى تُسأل عنها؟ فليس علمها إليك ولا من شأنك بيانها؛ وهذا قول جمهور المفسرين. والثاني أن المعنى: فيم أنت من ذكراها، أي أنت أحد أشراطها وعلاماتها؛ فذكرُك لها من علامات قربها؛ ويشهد له ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك وسهل بن سعد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ»، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية القولين. والقول الأول هو الأظهر لموافقته لما بعده مباشرة: {إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا}؛ فإنه تعليل لنفي علمها عنه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الجواب لا ببيان الوقت بل بنفي أن يكون السؤال في موضعه؛ وهذا من أبلغ أساليب الرد. فلم يقل: «لا أعلم»، بل قيل ما هو أبلغ: ما شأنك أنت من ذكرها؟ فرُدّ السؤال إلى أصله وبُيّن أنه في غير محله. ثم إن هذا الجواب يمهد لثلاث آيات بعده تبني الموقف كاملاً: رد العلم إلى الله {إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا}، ثم حصر وظيفة النبي {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا}، ثم بيان أثر اليوم عليهم {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا}. فالخاتمة بناء متدرج: نفي، فإثبات، فحصر، فمشهد.