وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا
وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا
هذا تمام وصف تهيئة الأرض. والمعنى عند أهل التأويل: وأثبت الجبال في الأرض وجعلها راسيات ثابتات لا تزول. و{أَرْسَاهَا} من «رسا الشيء يرسو» إذا ثبت واستقر؛ وأرساه غيره إذا أثبته. قال جمهور المفسرين: جعلها أوتاداً للأرض تمنعها أن تضطرب بأهلها. ونظير هذا في القرآن قوله: {وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ}، وقوله: {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}. وذكر أهل التفسير أن في ذكر الجبال بعد الماء والمرعى مناسبة ظاهرة؛ فإنها مخازن المياه ومنابع العيون ومراعي الأنعام، فهي خادمة لما قبلها لا مستقلة عنه. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن ذكر الجبال في سياق الامتنان يفيد أنها من النعم لا من العوائق كما قد يُتوهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ختم تعداد آثار القدرة في الأرض بالجبال؛ وهو ختام مناسب؛ لأن الجبال هي عنصر الثبات في المشهد كله بعد أن ذُكر ما هو متحرك سائل نامٍ من ماء ومرعى. فاجتمع في وصف الأرض عنصران: الحركة والثبات؛ كما اجتمع في وصف السماء عنصران: البناء الثابت والتعاقب المتحرك. فجرى نظم البرهانين على نسق واحد. ثم إن ورود مادة «رسا» هنا يمهد لورودها في آخر السورة في قوله {أَيَّانَ مُرْسَاهَا}؛ فالجبال أُرسيت وثبت موضعها، والساعة لها مرسى لا يعلمه إلا الله؛ وهذا من الربط اللفظي الدقيق بين مقاطع السورة.