فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ
هذا جواب «أمّا» الثانية وبيان جزاء الفريق الناجي. والمعنى عند أهل التأويل: فإن الجنة هي منزله ومقره الذي يأوي إليه. و{الْجَنَّةَ} من «الجَنّ» وهو الستر؛ سُميت بذلك لتكاثف أشجارها حتى تستر ما تحتها. قال جمهور المفسرين: الجنة مأواه لا مأوى له سواها. وذكر أهل التفسير أن مجيء هذه الآية على نسق نظيرتها في الفريق الأول ــ لفظاً ومبنى ــ من أبلغ ما يقرر التقابل بين المصيرين. وأشار السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية إلى أن ضمير الفصل يفيد الحصر؛ أي لا مأوى له غيرها. ونظير هذا في القرآن قوله سبحانه: {عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ}، وقوله: {فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغت المقابلة في هذه الآية غايتها؛ فقد جاءت مطابقة لنظيرتها في كل حرف إلا في لفظ واحد: {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ} و{فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ}. وفي هذا التطابق مع اختلاف كلمة واحدة إعجاز في تصوير الميزان: فالمصيران متساويان في الحتمية والاستقرار والحصر، مختلفان في الحقيقة اختلافاً لا غاية بعده. ثم إن هذه الآية تختم مقطع الجزاء وتمهد لخاتمة السورة؛ إذ يأتي بعدها سؤالهم عن الساعة؛ فكأنه قيل: هذا هو المصير المنتظر، فما بالكم تسألون عن وقته بدل أن تستعدوا له؟