يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ
يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ
عاد السياق من مشهد الآخرة إلى حكاية ما كان منهم في الدنيا؛ فذكر قولهم مستنكرين مستهزئين. و{الْحَافِرَةِ} فسرها أهل التأويل بأقوال متقاربة: أشهرها أنها الحال الأولى؛ من قولهم في أمثال العرب: «رجع فلان في حافرته» أي في طريقه الذي جاء منه، و«النقد عند الحافرة» أي عند أول كلمة. وقيل: الحافرة الأرض المحفورة، أي القبور؛ فسميت حافرة بمعنى محفورة على النسب أو على قلب اسم المفعول باسم الفاعل؛ ومنه قوله في الآية بعدها {عِظَامًا نَّخِرَةً}. وقيل: الحافرة الحياة الجديدة. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل، ومدارها على أن المعنى: أإنا لمردودون إلى ما كنا عليه من الحياة بعد الموت؟ والاستفهام منهم استفهام إنكار وتكذيب واستبعاد لا استفهام استرشاد؛ بدليل ما تلاه من قولهم: {تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ذكر مقالتهم بعد وصف حالهم يوم القيامة لا قبله؛ وهذا من أبلغ ترتيب في النظم. إذ لو قُدّم قولهم لكان الكلام جدلاً، ولكنه لما أُخّر عن مشهد قلوبهم الواجفة وأبصارهم الخاشعة صار الكلام تبكيتاً؛ فكأنه قيل: انظروا إلى هؤلاء الذين ترتجف قلوبهم اليوم، ماذا كانوا يقولون بالأمس؟ فالمفارقة بين المشهدين هي الحجة، لا مجرد الرد اللفظي. ثم إن حكاية قولهم بلفظه ــ من غير تعليق عليه في الحال ــ أشد في فضحه؛ إذ يكفي في إبطال الباطل أن يُسمع.