أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً
أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً
هذا تتمة استنكارهم، وزيادة في تصوير ما استبعدوه. و{نَّخِرَةً} فسرها أهل التأويل بالبالية المتفتتة التي إذا هبّت عليها الريح سُمع لها صوت؛ من «نخر العظم» إذا بلي وتآكل وصار أجوف. وقُرئت في القراءات المتواترة {نَّخِرَةً} و{نَاخِرَةً}؛ قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم {نَاخِرَةً}، وقرأ الباقون {نَّخِرَةً}؛ وفرّق بعض أهل اللغة بينهما بأن «النخرة» البالية المتفتتة، و«الناخرة» المجوفة التي تمرّ فيها الريح فيسمع لها نخير؛ والمعنى في القراءتين متقارب لا يتنافى. ونبّه ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية على أن ذكر العظام دون سائر البدن مقصود؛ لأن العظم آخر ما يبقى من الجسد وأصلبه، فإذا بلي فقد انتهى الجسد إلى غاية الفناء في تصورهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تدرّج استنكارهم تدرجاً تصاعدياً: أنكروا أولاً أصل الرد {أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ}، ثم أنكروا ثانياً الرد في أشد أحوال الفناء {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً}؛ فالثاني إمعان في الأول وتصعيد له. وهذا التدرج يكشف عن طبيعة شبهتهم: فهي ليست شبهة برهانية، بل هي استعظام حسي يتغذى على تصوير صورة البلى. ولذلك جاء الجواب في السياق مناسباً لطبيعة الشبهة: لم يُجادلوا في العظام النخرة، بل قيل لهم إن الأمر لا يحتاج إلا زجرة واحدة؛ فأُبطلت الشبهة بنقض أصلها لا بمناقشة فروعها.