إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا
إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا
هذا حصر لوظيفة النبي صلى الله عليه وسلم بعد نفي علم الساعة عنه. والمعنى عند أهل التأويل: ما أنت إلا منذر ومحذر لمن يخاف الساعة ويخشى أهوالها؛ فهؤلاء هم المنتفعون بإنذارك. قال جمهور المفسرين: خُصّ بالذكر من يخشاها لأنه المنتفع بالإنذار وإن كان الإنذار عاماً. وقُرئ في القراءات المتواترة {مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا} بالإضافة وبالتنوين ونصب «من»؛ فمن أضاف أفاد الثبوت والدوام، ومن نوّن أفاد الحدوث والاستقبال؛ والمعنى في القراءتين متقارب. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن قصر وظيفته على الإنذار في هذا المقام لا ينفي البشارة؛ وإنما اقتُصر عليه لأن السياق سياق تخويف. ونظير هذا الحصر في القرآن قوله سبحانه: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}، وقوله: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خلاصة موقف السورة كله من قضية الساعة: لا علم بوقتها، ووظيفة الرسول الإنذار، والمنتفع بالإنذار من يخشى. ثم إن لفظ الخشية هنا يعود بالسورة إلى ما قررته في وسطها بعد قصة فرعون: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ}؛ فاتحد الشرط في الموضعين: الخشية. فالسورة تكرر أن الانتفاع بالآيات وبالإنذار وبالعبرة معلق بوصف واحد. وفي هذا التكرار المتباعد ربط محكم بين مقاطع السورة؛ إذ يظهر أن السورة كلها مبنية على تصنيف الناس بمقياس الخشية: من خشي انتفع، ومن لم يخش لم ينتفع.