أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا
أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا
انتقل السياق من الاحتجاج بالتاريخ إلى الاحتجاج بالكون؛ والخطاب موجه إلى منكري البعث. والمعنى عند أهل التأويل: أخلقكم أيها المنكرون للبعث أشد وأصعب في التقدير والإيجاد أم خلق السماء التي ترونها؟ ثم بيّن سبحانه صنعه فيها فقال {بَنَاهَا}. قال جمهور المفسرين: هذا احتجاج على المنكرين بأن من قدر على خلق السماء ــ وهي أعظم وأشد ــ فهو على إعادة الإنسان أقدر. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية إلى أن هذا الاستدلال مطرد في القرآن؛ ونظيره قوله تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، وقوله: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم}؛ فالمعنى واحد والحجة واحدة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا المقطع بعد قصة فرعون؛ وبينهما صلة دقيقة: فقد ادّعى فرعون الربوبية، ثم عُرضت آثار الربوبية الحقة في الكون؛ فكأن السماء والأرض شاهدان يُستدعيان بعد سماع دعواه. ثم إن هذا المقطع يعود بالسياق إلى موضوع السورة الأصلي وهو إنكارهم البعث؛ فبعد أن خُوّفوا بمصير فرعون، أُلزموا بالحجة العقلية. وتغير الخطاب من الغيبة إلى المواجهة {أَأَنتُمْ} نقلة تجعل السامع طرفاً في القضية بعد أن كان متفرجاً. وفي وقوع {بَنَاهَا} في آخر الآية بعد الاستفهام مباشرة إسراع إلى الجواب قبل أن ينطقوا؛ إذ لم يُنتظر جوابهم لظهوره.