عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ
عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ
افتتحت السورة بالإخبار عن وقوع عبوسٍ في الوجه وإعراضٍ بالبدن، ولم يُسمَّ الفاعل ولم يُواجَه بالخطاب؛ وذلك من ألطف ما يكون من العتاب. وأجمع أئمة التفسير من السلف والخلف على أن المعنيّ بهذا الفعل هو رسول الله ﷺ، وأن السورة نزلت في شأنه مع عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه. وذكر الواحدي في أسباب النزول (ج١، ص٤٧١)مصدر غير محدد١/٤٧١ أن الأعمى هو ابن أم مكتوم، وأنه أتى النبي ﷺ وهو يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام وأميّة وأبيّاً ابني خلف ومن معهم، يدعوهم إلى الله ويرجو إسلامهم، فجعل يسأله ويكرر عليه ولا يعلم بانشغاله بالقوم، فكره النبي ﷺ قطعه لكلامه فعبس وأعرض عنه؛ فنزلت الآيات. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير أول السورة عن ابن عباس وقتادة ومجاهد نحو ذلك؛ فاتفقت الرواية والدراية على أن الحادثة وقعت في مقام عرض الدعوة على أشراف قريش. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن العبوس هنا لم يكن عن استخفاف بالرجل ولا احتقارٍ لفقره، وإنما كان عن كراهة انقطاع حديثٍ رُجي منه إسلام قومٍ يتبعهم خلق كثير؛ فكان الاجتهاد صادراً عن حرصٍ على الدين لا عن هوى النفس، ومع ذلك نزل العتاب تقويماً للميزان لا تأثيماً للقصد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ابتداء السورة بفعلٍ ماضٍ مسندٍ إلى ضمير غائب غير مذكور؛ وهذا موضع من أدق مواضع النظم القرآني. فالمقام مقام عتاب لأكرم الخلق على الله؛ فلو ووجه بالخطاب من أول حرف لكان في ذلك من الثقل ما لا يخفى؛ فجاء الابتداء بالغيبة كأنّ المتكلم يحكي حادثة وقعت لا يواجه بها صاحبها، ثم إذا استقر المعنى في النفس التفت إلى الخطاب في قوله بعدُ: {وَمَا يُدْرِيكَ}. وهذا التدرج من الغيبة إلى الخطاب سلّم يصعد بالسامع من الإخبار إلى التوجيه دون صدمة. ثم إن السورة السابقة ختمت بحصر جدوى الإنذار في أهل الخشية: {إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا}؛ فجاءت هذه السورة بواقعةٍ عملية تبيّن كيف يُطبَّق ذلك الحصر في ميدان الدعوة.