تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ
تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ
{الرَّادِفَةُ} هي النفخة الثانية عند جمهور أهل التأويل؛ وهي نفخة البعث التي تردف الأولى، أي تجيء في إثرها وتتلوها. وقال بعض السلف: الراجفة النفخة الأولى والرادفة الثانية؛ وهو قول الأكثرين. وقيل: الراجفة هي الأرض والجبال، والرادفة هي السماء والنجوم. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل في تعيين النفختين، وأن أظهرها ما عليه الجمهور. وقد ورد في المدة بين النفختين ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ»، قال الراوي: قلت: أربعون يوماً؟ قال: أبيت، قلت: أربعون شهراً؟ قال: أبيت، قلت: أربعون سنة؟ قال: أبيت؛ ثم ذكر أن الله ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وأن كل شيء من الإنسان يبلى إلا عَجْب الذَّنَب، ومنه يُركَّب الخلق يوم القيامة. فهذا الحديث أصل صريح في إثبات النفختين والفصل بينهما.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضى النظم أن يُذكر التتابع بلفظ يفيد اللصوق لا مجرد التعاقب؛ فقال {تَتْبَعُهَا} ولم يقل «ثم تأتي»؛ ليصور أن الفزعين متلاحقان لا مهلة بينهما تُدرك في حس المفزوع، وإن كانت بينهما مدة في حقيقة الأمر. وهذا مناسب لمقصد السورة؛ فإن المكذبين كانوا يستبعدون البعث ويستطيلون أمده، فجاء اللفظ ليقرر أن الأمر أقرب مما يتوهمون. ثم إن ذكر النفختين معاً في آيتين متجاورتين قصيرتين يجعل السامع ينتقل من الموت إلى البعث في نفَس واحد؛ فتنهدم في ذهنه المسافة التي كان يتعلل بها.