فَحَشَرَ فَنَادَىٰ
فَحَشَرَ فَنَادَىٰ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا تمام تصوير سعي فرعون. والمعنى عند أهل التأويل: فجمع جنوده وقومه وسحرته وأهل مملكته، ثم نادى فيهم بدعواه. قال جمهور المفسرين: {فَحَشَرَ} أي جمع الجموع؛ وقيل جمع السحرة لمعارضة موسى، وقيل جمع جنده ليتبع بني إسرائيل. و{فَنَادَىٰ} أي رفع صوته منادياً في المجموعين، أو أمر منادياً ينادي فيهم؛ ومقول ندائه مذكور في الآية التالية: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ}. ونظير هذا المشهد في القرآن قوله تعالى: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي}؛ فهو يجمع الناس ليستشهدهم على عظمته؛ وهذا دأب من لا حجة له: يستعيض عن البرهان بالجموع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغ الإيقاع في هذه الآية غايته في السرعة؛ فعلان مجردان معطوفان بالفاء في أقصر آية في هذا المقطع. وهذا التسارع يوازي تسارع فرعون نفسه في انحداره؛ فكأن اللفظ يجري بجريان الحدث. ثم إن استعمال لفظ «الحشر» هنا فيه لمحة بالغة؛ فإن الحشر في القرآن أكثر ما يُستعمل في جمع يوم القيامة؛ فاستعماله في جمع فرعون لقومه يومئ إلى أن هذا الجمع الذي جمعه ليقوى به سيقابله جمع آخر يُجمع فيه هو ومن معه لا ليقوى بل ليُحاسب؛ ونظيره قوله تعالى فيه وفي قومه: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ}.