وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا
وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا
عطف الله سبحانه على القسم الأول قسماً ثانياً بوصف آخر من أوصاف الملائكة. وأكثر أهل التأويل على أن {النَّاشِطَاتِ} هي الملائكة تنشط أرواح المؤمنين، أي تستخرجها برفق وسهولة كما يُنشط العقال من يد البعير فينحل من غير عنف. وذهب فريق آخر إلى أنها الملائكة تنشط بأرواح المؤمنين إلى السماء، أي تسرع بها صاعدة؛ فالنشاط عندهم بمعنى الإسراع في المضي. وقيل: هي النجوم تنشط من برج إلى برج، وقيل: الأوهج والنفوس. وأشار الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية إلى تعدد أقوال أهل التأويل فيها، وأن الجامع بينها هو معنى الخروج من موضع إلى موضع بخفة وسرعة. والذي عليه أكثر المحققين أن ذكر النشط بعد النزع مقابلة بين حالين: شدة عند قبض روح المكذب، ورفق عند قبض روح المؤمن؛ ويشهد لهذه المقابلة ما ورد في وصف خروج النفسين في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الذي رواه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ترتيب المقسم به على وفق ترتيب المشهد نفسه: نزع شديد أولاً، ثم نشط سهل ثانياً؛ فأفاد النظم أن الملائكة الموكلة بالقبض تتنوع أحوالها بتنوع أحوال المقبوضة أرواحهم؛ وهذا في ذاته تقرير لعدل الجزاء قبل أن يقع الجزاء. فالسورة تريد أن تثبت البعث، وهي في مطلعها تلمّح إلى أن التفاوت بين الناس يبدأ من لحظة الخروج من الدنيا لا من لحظة الوقوف للحساب؛ فمن أنكر البعث فقد أنكر ما تشهد مقدماته في كل بيت. ثم إن المقابلة بين {النَّازِعَاتِ} و{النَّاشِطَاتِ} تمهيد للمقابلة الكبرى في آخر السورة بين {مَن طَغَىٰ} و{مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ}؛ فأول السورة يرسم انقسام الخلق، وآخرها يفصله.