فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ
فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا بيان جواب فرعون عن الدعوة والبرهان. والمعنى عند أهل التأويل: فكذّب بالآية وبما جاء به موسى، وعصى ربه فلم ينقد لأمره. قال جمهور المفسرين: كذّب بقلبه ولسانه، وعصى بجوارحه؛ فجمع بين فساد الاعتقاد وفساد العمل. وقال بعضهم: كذّب موسى وعصى الله. وفي الجمع بين اللفظين إشارة إلى استيعاب أنواع المخالفة؛ إذ التكذيب متعلق بالخبر، والعصيان متعلق بالطلب؛ فرد الخبر وخالف الأمر. ونبّه أهل التفسير على أن هذا الجواب جاء بلا مهلة ولا تأمل؛ إذ عُطف بالفاء لا بـ «ثم»؛ فدلّ على أن رده كان مبادرة قبل نظر. وهذا حال المستكبر: يبادر بالرد قبل أن يفكر؛ ونظيره ما حكاه الله عن قوم آخرين: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تسارع إيقاع النظم في هذا الموضع تسارعاً ملحوظاً؛ فبعد آيات فيها جمل تامة وأوصاف مبسوطة، جاءت آية من فعلين اثنين لا غير: {فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ}. وهذا التسارع مقصود؛ فإن السورة تعرض انهيار فرعون في سلسلة من الأفعال المتلاحقة: كذّب، عصى، أدبر، سعى، حشر، نادى، قال، فأُخذ. فتوالي الأفعال المجردة بلا فواصل يصور انحداراً سريعاً لا يستطيع صاحبه وقفه. وفي هذا التصوير برهان على أن الطغيان إذا بدأ لم يقف عند حد؛ فمن رفض الحق أول مرة تدحرج إلى ما هو أعظم.