يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا بيان لبعض ما يقع في ذلك اليوم. والمعنى عند أهل التأويل: يوم يتذكر الإنسان جميع ما عمله في دنياه من خير وشر، فيراه حاضراً بين يديه بعد أن كان قد نسيه. قال جمهور المفسرين: يتذكر ما قدّم وما أخّر؛ ويكون هذا التذكر عند معاينة صحيفته وعرض عمله عليه. ونظير هذا في القرآن قوله سبحانه: {يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}، وقوله: {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ}، وقوله في وصف الصحيفة: {مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا}. وذكر أهل التفسير أن هذا التذكر لا ينفع صاحبه؛ لأنه تذكر في غير أوان العمل؛ ونظيره ما جاء في سورة الفجر: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ورد لفظ «السعي» في هذه السورة مرتين: الأولى في وصف فرعون {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ}، والثانية هنا {مَا سَعَىٰ}. وهذا التكرار يربط بين المقطعين ربطاً محكماً؛ فكأن السورة تقول: ذلك السعي الذي سعاه فرعون ــ ويسعاه كل مكذب ــ سيُعرض على صاحبه في هذا اليوم. ثم إن ذكر التذكر عقب مجيء الطامة مباشرة له وجه دقيق؛ فإن الطامة تطمّ على كل شيء فتذهب بكل ما شغل الإنسان عن عمله؛ فإذا زال الشاغل حضر المشغول عنه. فالتذكر يومئذ ليس لأن الذاكرة قويت، بل لأن الشواغل زالت.