وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا مشهد ثانٍ من مشاهد ذلك اليوم. والمعنى عند أهل التأويل: أُظهرت النار وكُشف عنها الغطاء فصارت بارزة ظاهرة لكل ذي بصر يراها. و{بُرِّزَتِ} من «برز» إذا ظهر بعد خفاء؛ والتضعيف يفيد المبالغة في الإظهار. و{الْجَحِيمُ} من أسماء النار؛ من «الجحمة» وهي شدة تأجج النار وتوقدها؛ ومنه «جحمة النار» لعينها ومعظمها. قال جمهور المفسرين: أُبرزت وكُشفت حتى يراها الخلائق عياناً. ونظير هذا في القرآن قوله: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ}، وقوله: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ}، وقوله: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ}. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في مجيء جهنم يوم القيامة تُقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها؛ فهذا أصل ثابت في هذا المشهد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظم هذا المشهد مع الذي قبله انتظاماً محكماً: تذكر للعمل، ثم إبراز للجزاء. فالأول عرض للسبب، والثاني عرض للمسبَّب؛ فتقع المطابقة بين ما سعى وما يرى في لحظة واحدة. وهذا التقابل هو الذي يمهد للقسمة الآتية بعده بين الفريقين. ثم إن قوله {لِمَن يَرَىٰ} تمهيد لذكر الفريقين؛ إذ لم يقل «للناس» ولا «للخلائق»، بل علّق الإبراز بالرؤية؛ فأفاد أن الحساب يبدأ من المعاينة. وفي هذا الترتيب ــ عمل يُتذكر، ونار تُبرز، ثم قسمة تُفصّل ــ بناء متكامل لمشهد الجزاء في أربع آيات.