وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا
وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا
هذا هو القسم الثالث في السورة. وأكثر أهل التأويل على أن {السَّابِحَاتِ} هي الملائكة تسبح في نزولها من السماء وصعودها إليها بأمر الله؛ فتنسل في الفضاء انسلال السابح في الماء لا يعوقه عائق. وقيل: هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين. وقيل: هي النجوم تسبح في أفلاكها. وقيل: هي السفن تسبح في البحر، وقيل: الخيل. ورجّح المحققون القول الأول لاطراد السياق في وصف الملائكة من أوله إلى آخره، ولأن ختم الأقسام بـ {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} قرينة تجمع الأوصاف كلها في موصوف واحد. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل في تعيين المراد، وأن جمهورهم على أنها الملائكة. والسبح في القرآن مستعمل في حركة الأجرام كما في قوله تعالى: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}؛ فالمادة صالحة للحركة في الفضاء كصلاحها للحركة في الماء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من وصف عمل الملائكة في الأنفس ــ نزعاً ونشطاً ــ إلى وصف حركتها في الآفاق سبحاً وسبقاً؛ فاتسعت دائرة المشهد من البدن الواحد إلى الكون كله. وهذا التدرج مقصود في بناء السورة: يبدأ بما يشاهد أثره كل إنسان في نفسه وأهله، ثم يرقى إلى ما لا يُشاهد من حركة الملأ الأعلى؛ ليقرر أن التدبير الذي رأيتم طرفه في موتاكم جارٍ في السماوات كلها. ثم إن ذكر السبح مهاد لذكر السبق بعده؛ إذ السبق فرع الحركة، ولا يكون سبق إلا بعد جريان؛ فترتب الوصفان ترتب الأصل والفرع.