اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ
اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ
هذا مضمون النداء الذي نودي به موسى عليه السلام؛ أمر بالمضي إلى فرعون، وتعليل لهذا الأمر بطغيانه. و«فرعون» لقب لملوك مصر من القبط كما أن «قيصر» لقب لملوك الروم و«كسرى» لملوك الفرس؛ واسم فرعون موسى مختلف فيه عند أهل الأخبار ولا يتعلق به حكم. و{طَغَىٰ} فسره أهل التأويل بمجاوزة الحد في الكفر والعصيان والعلو والتجبر. قال جمهور المفسرين: طغى أي تجاوز قدره وتعدى طوره حتى ادّعى الربوبية. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية إلى أن في الآية تعليل الإرسال بالطغيان؛ فدل على أن سبب بعث الرسل إقامة الحجة على المتجاوزين حدود الله. وتفصيل هذا الأمر جاء في مواضع أخرى، منها قوله تعالى: {اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا}؛ فبيّن هناك كيفية الخطاب، وأجمل هنا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضى النظم أن يُقرن الأمر بعلته في آية واحدة قصيرة: {اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ}؛ فلم يُترك الأمر مجرداً، ولم تُفصل العلة عنه. وفي هذا الاقتران درس في بناء الدعوة: أن الداعي يُبعث لعلة معلومة فيجب أن يكون خطابه متجهاً إلى تلك العلة. ثم إن لفظ {طَغَىٰ} هنا هو المفتاح الذي تدور عليه السورة كلها؛ فقد تكرر في آخرها في قوله: {فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ}؛ فصار فرعون في القصة نموذجاً مجسداً لما سيُقرَّر بعدُ قاعدةً عامة؛ وهذا من أدق وجوه الترابط بين مقاطع السورة.