وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ
وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ
هذا تمام العرض الذي أُمر موسى أن يخاطب به فرعون. والمعنى: وأدلك على ربك وأرشدك إلى معرفته وطاعته، فيثمر ذلك في قلبك خشية له. قال جمهور المفسرين: {وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ} أي أدلك عليه وأعرّفك به. وقالوا في {فَتَخْشَىٰ}: أي فتخافه وتتقيه بعد أن كنت جاهلاً به مستكبراً عليه. ونبّه أهل التفسير على أن قوله {رَبِّكَ} فيه إبطال لدعوى فرعون الربوبية من طريق التلميح لا التصريح؛ إذ أثبت له رباً وهو يدّعي أنه الرب. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى ما في ترتيب الخشية على الهداية بالفاء من الدلالة على أن الخشية أثر المعرفة. وهذا المعنى أصل مقرر في القرآن بقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظم عرض الدعوة على ثلاث مراحل مترتبة بحروف دالة على الترتيب: التزكي، ثم الهداية إلى الرب، ثم الخشية. وهذا ترتيب مقصود في بناء النفس؛ فالتزكي يزيل الحائل، والمعرفة تملأ الفراغ، والخشية ثمرة تنضج بعدهما. ولو قُدّمت الخشية على المعرفة لكانت خوفاً بلا بصيرة، ولو قُدّم العلم على التطهر لكان علماً لا يجاوز اللسان. ثم إن هذه الآية هي موضع المواجهة الحقيقية في القصة؛ إذ فيها إبطال دعوى فرعون بكلمة واحدة هي {رَبِّكَ}؛ فلم يقل: «إلى الرب»، بل أضافه إلى ضمير فرعون نفسه؛ فأعلمه أنه مربوب لا رب.