فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ
فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا مقول ندائه الذي حشر له الجموع؛ وهو منتهى ما بلغه الطغيان في تاريخ البشر. والمعنى عند أهل التأويل: قال لقومه: أنا ربكم الأعلى الذي لا رب فوقي. واختلف المفسرون في مراده بـ {الْأَعْلَىٰ}: فقال جمهورهم: أراد نفي أن يكون فوقه رب؛ فادّعى الربوبية المطلقة. وقال آخرون: كان يعبد الأصنام ويتخذ أرباباً، فأراد أنه ربهم الأعلى وأن الأصنام أرباب دونه؛ ويشهد لهذا قول قومه له فيما حكاه الله عنهم: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ}. وقد جمع القرآن بين قوليه في موضعين؛ فقال في سورة القصص حكاية عنه: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي}، وقال هنا {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ}. وذكر المفسرون أن بين هاتين الكلمتين مدة، وأن الثانية أغلظ من الأولى؛ ولذلك جاء في الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما أن بين الكلمتين أربعين سنة، وأن الله أخذه بهما جميعاً؛ وهذا معنى قوله بعدها: {نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ} على أحد الأقوال فيه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغ السياق ذروته في هذه الآية؛ فقد تدرج فرعون من التكذيب إلى العصيان إلى الإدبار إلى السعي إلى الحشد، حتى انتهى إلى دعوى الربوبية. وهذا التدرج التصاعدي في النظم يرسم قانوناً في السلوك: أن مجاوزة الحد لا تقف عند حد؛ وأن من لم يردّه أول انحراف بلغ به آخره ما لا يخطر بباله. ثم إن وقوع هذه الآية بين آية الحشد {فَحَشَرَ فَنَادَىٰ} وآية الأخذ {فَأَخَذَهُ اللَّهُ} في غاية الدقة؛ فقبلها منتهى ما يملكه من قوة، وبعدها منتهى ما ينزل به من عقوبة؛ فبينهما لحظة واحدة هي لحظة الكلمة. فأفاد النظم أن أعظم ما أهلكه لم يكن جنده بل لسانه.