فَأَمَّا مَن طَغَىٰ
فَأَمَّا مَن طَغَىٰ
بدأ هنا تفصيل انقسام الخلق إلى فريقين لا ثالث لهما. و{طَغَىٰ} فسره أهل التأويل بمجاوزة الحد في العصيان والكفر والتمرد على أمر الله. قال جمهور المفسرين: طغى أي تجاوز الحد وعصى ربه واستكبر. وهذا اللفظ هو الذي وُصف به فرعون في هذه السورة نفسها: {اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ}؛ فجاء هنا حكماً عاماً بعد أن كان هناك وصفاً لشخص. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن أسلوب التفصيل بـ «أمّا» يفيد استيعاب القسمة وحصر الأحوال؛ فلا يخرج أحد عن أحد القسمين. وقرن الله الطغيان هنا بإيثار الحياة الدنيا في الآية التالية؛ فبيّن أن الطغيان ليس حالة معزولة بل ثمرة لتقديم العاجل على الآجل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية لتحول القصة إلى قانون. فقد عُرض فرعون بوصفه نموذجاً للطاغية، ثم عُرضت آثار قدرة الله، ثم عُرض مشهد الطامة؛ فلما تم ذلك كله جاءت القسمة العامة التي يدخل فيها فرعون وغيره. وفي هذا الترتيب بلاغة في التربية: يُعرض المثال أولاً ليتصور، ثم تُستخرج منه القاعدة. ثم إن تصدير القسمة بالطغيان ــ لا بالكفر ولا بالشرك ــ اختيار دقيق؛ لأن الطغيان أوسع من الكفر؛ فيدخل فيه كل مجاوزة للحد؛ فتشمل القاعدة كل متجاوز على قدر تجاوزه.