وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا الوصف الثاني للفريق الأول. والمعنى عند أهل التأويل: وقدّم الحياة الدنيا واختارها على الآخرة، فجعل همّه فيها وسعيه لها. و{آثَرَ} من «الإيثار» وهو التقديم والاختيار والتفضيل. قال جمهور المفسرين: آثر دنياه على آخرته فعمل لها ونسي ما أمامه. وذكر أهل التفسير أن اقتران الطغيان بإيثار الدنيا اقتران السبب بالنتيجة أو النتيجة بالسبب؛ فإن من آثر الدنيا هان عليه أن يتجاوز الحدود في تحصيلها، ومن طغى فلأنه لم يوقن بما بعدها. ونظير هذا في القرآن قوله سبحانه: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}، وقوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا}. وقد قرن الله بين هذين الوصفين في وصف فرعون نفسه؛ فقد طغى وآثر ملكه على الحق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الوصف تالياً للطغيان لا سابقاً له؛ فبُدئ بالأثر الظاهر ثم ذُكرت العلة الباطنة. وهذا الترتيب يوافق طريقة القرآن في التشخيص: يعرض العرَض أولاً ثم يبين سببه. فالطغيان ما يُرى من السلوك، وإيثار الدنيا ما يستقر في القلب. ثم إن هذا الوصف هو مفتاح فهم القسمة كلها؛ إذ يقابله في الفريق الثاني وصفان: خوف مقام الرب، ونهي النفس عن الهوى؛ فتبين أن المدار في الفريقين على ما استقر في القلب من ترجيح: أرجّح العاجل أم الآجل؟ وهذا هو الميزان الذي تنتهي إليه السورة بعد كل ما ساقته من براهين.