أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ
أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): لما وصف الله القلوب بالوجيف أتبعها بوصف الأبصار بالخشوع؛ لأن العين مرآة القلب، وما استقر في الباطن ظهر أثره على الظاهر. والخشوع في الأبصار عند أهل التأويل: الذل والانكسار والانخفاض؛ يقال: خشع بصره إذا غضّه وأطرق به من هوان ينزل به. قال جمهور المفسرين: أبصار أصحاب تلك القلوب ذليلة خاضعة مما عاينت من هول المطلع وسوء المنقلب. وأضاف الأبصار إلى القلوب ولم يضفها إلى أصحابها؛ وهو من دقائق النظم؛ إذ جعل البصر تابعاً للقلب لا للجسد، إشارة إلى أن انكسار النظر فرع انكسار الاعتقاد. ونظير هذا المعنى في القرآن قوله تعالى في وصف يوم الخروج: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ}، وقوله: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ}؛ فتكرر الوصف في مواضع البعث تكراراً يدل على أنه من أخص أحوال المكذبين يومئذ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظمت الآيتان ــ {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ} و{أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} ــ على ترتيب طبيعي في وصف الخوف: يبدأ بالقلب لأنه المنبع، ثم ينتقل إلى البصر لأنه المظهر. وفي هذا الترتيب حجة ضمنية على المخاطبين؛ فإنهم كانوا في الدنيا شامخي الأبصار متطاولي الأعناق يستهزئون بخبر البعث، فجاء الوصف ليقلب حالهم رأساً على عقب: قلوب مضطربة بعد طمأنينة، وأبصار منكسرة بعد شموخ. ثم إن هذا الوصف مهاد لما بعده مباشرة؛ إذ يأتي في الآية التالية حكاية قولهم في الدنيا {أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ}؛ فتقع المقابلة بين لسان مستهزئ ثمّ، وبصر ذليل هنا.