قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ
قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ
هذا ختام حكاية مقالتهم، وفيه انتقلوا من الاستنكار إلى التهكم والحكم. والمعنى عند أهل التأويل: قالوا على وجه الاستهزاء: إن كانت هذه الرجعة واقعة كما يزعم محمد صلى الله عليه وسلم فهي رجعة خاسرة علينا؛ لأنا نُبعث إلى العذاب. وذهب طائفة من المفسرين إلى أن قولهم {خَاسِرَةٌ} خرج مخرج التكذيب المحض؛ أي: هي دعوى خاسرة كاذبة لا تكون. وذهب آخرون إلى أنهم قالوها ساخرين مقدّرين لها على سبيل الفرض؛ أي: لئن كانت فنحن إذن خاسرون. والقولان يجتمعان في أن اللفظ خرج مخرج الاستهزاء بالوعد. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن معناها: تلك كرة خاسرة على أصحابها. وفي هذا القول من حيث لا يشعرون شهادة على أنفسهم؛ فقد نطقوا بالحق في وصف مآلهم وإن قصدوا التهكم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا القول خاتمة لسلسلة إنكارهم؛ فبدؤوا بالاستفهام الإنكاري، ثم صعّدوه بتصوير البلى، ثم ختموه بالحكم الساخر. فاستوفى النظم مراحل الجحود الثلاث: الاستبعاد، ثم التشنيع، ثم الاستهزاء. ثم إن موقع هذه الآية قبل الجواب مباشرة ــ {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} ــ يجعل الرد واقعاً على أشد صور الإنكار؛ فيكون أبلغ في الإفحام. وفي ترك التعقيب على قولهم بذم صريح إيكال للسامع أن يحكم بنفسه؛ وهو أسلوب قرآني في مواطن ظهور الباطل.