ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ
ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ
هذه المرحلة الثالثة من مواقف فرعون. والمعنى عند أهل التأويل: ثم ولّى معرضاً عن الإيمان، وأخذ يسعى في الأرض بالفساد ومعارضة الحق. قال جمهور المفسرين: {أَدْبَرَ} أي أعرض وتولّى عما دُعي إليه، {يَسْعَىٰ} أي يجدّ ويجتهد في مقاومة موسى وإبطال ما جاء به؛ فجمع السحرة، وحشد جنده. وقال بعضهم: {يَسْعَىٰ} أي يمشي مسرعاً؛ والمعنى الأول أشهر وأليق بالسياق؛ لأن السعي في القرآن كثيراً ما يستعمل في العمل والاجتهاد كما في قوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ}، وكما سيأتي في هذه السورة نفسها: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ}. ونبّه ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية على أن العطف بـ «ثم» يفيد التراخي؛ فدل على أن سعيه في المقاومة جاء بعد مدة من تكذيبه الأول.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تدرج النظم في وصف انحدار فرعون تدرجاً محكماً: كذّب بلسانه، وعصى بجوارحه، ثم أدبر بكليته، ثم سعى في المقاومة. فالمراحل الأربع تصور انتقالاً من الرد السلبي إلى المعارضة الإيجابية؛ فلم يكتف بأن يترك الحق، بل صار يعمل على إبطاله. وهذا هو الفرق بين الجاحد الخامل والطاغية العامل؛ والسورة تعرض الثاني لأنه المقصود بالتحذير. ثم إن ورود لفظ «السعي» هنا في سياق الذم يقابله وروده في آخر السورة في سياق الحساب {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَىٰ}؛ فكأن السورة تقول: سعيه هذا سيُعرض عليه يومئذ.