وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا
وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا تمام وصف صنع الله في السماء، وانتقال من بنائها إلى ما يجري فيها من تعاقب. والمعنى عند أهل التأويل: أظلم ليلها وجعله مسوداً، وأبرز ضياء نهارها وأظهره. و{أَغْطَشَ} فسره المفسرون بأظلم؛ من «الغطش» وهو الظلمة؛ ويقال: رجل أغطش أي أعمى، وليلة غطشاء أي مظلمة. و{ضُحَاهَا} أي ضياءها ونورها؛ والضحى في الأصل: امتداد ضوء الشمس بعد ارتفاعها. وأضاف الليل والضحى إلى السماء وإن كانا يقعان في الأرض؛ لأن سببهما من السماء وهو غياب الشمس وطلوعها؛ فالإضافة إضافة سببية. ونظير هذا التقابل في القرآن قوله: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا}، وقوله: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بعد ذكر البناء والرفع والتسوية ــ وهي أوصاف ثابتة ــ ذُكرت أوصاف متجددة متعاقبة: إغطاش وإخراج. فانتقل النظم من الهيئة إلى الحركة، ومن الخلق إلى التدبير. وفي هذا الترتيب حجة على البعث من وجه لطيف: فإن تعاقب الليل والنهار موت وحياة متكرران في كل يوم؛ فالليل يستر كل شيء كما يستر الموت، والضحى يخرج كل شيء كما يخرج البعث. فمن رأى هذه الدورة في كل يوم ثم أنكر البعث فقد أنكر ما يشاهد نظيره. ثم إن لفظ {ضُحَاهَا} هنا يعود في آخر السورة في قوله: {لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}؛ فارتبط أول البرهان بآخر الخاتمة برباط لفظي بديع.