هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ
انتقل السياق من الاحتجاج على البعث إلى ضرب المثل بالتاريخ؛ فافتتح قصة موسى عليه السلام مع فرعون باستفهام تشويقي موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والاستفهام هنا ليس على حقيقته من طلب الخبر؛ إذ الله عالم بما آتاه نبيه، وإنما هو للتنبيه والتشويق وتفخيم شأن الخبر الآتي. قال جمهور المفسرين: معناه: قد أتاك، وهو تقرير في صورة استفهام. وذكر أهل التفسير أن سوق القصة في هذا الموضع لغرضين: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه، وتهديد صناديد قريش بأن ما جرى على فرعون جارٍ على أمثاله. ونبّه ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية على أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود به المشركون تعريضاً؛ فهو من باب «إياك أعني واسمعي يا جارة». و{حَدِيثُ مُوسَىٰ} أي خبره وقصته مع فرعون؛ وسمي حديثاً لأنه يُحدَّث به ويُتناقل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع القصة من السورة موقع الشاهد بعد الدعوى. فقد تقدم إنكارهم للبعث ثم الجواب عنه؛ فلما تم ذلك احتيج إلى بيان أن هذا الإنكار ليس بدعاً في التاريخ، وأن له سابقة، وأن لها عاقبة معلومة. فجيء بقصة أعتى من كذّب، وأعظم من طغى؛ ليُقاس عليه من دونه. ثم إن الانتقال جاء بغير حرف عطف، على طريقة الاستئناف؛ فوقع كأنه صفحة جديدة تُطوى عليها الصفحة الأولى. وفي تغير الفواصل من التاء المربوطة إلى الألف المقصورة عند بدء القصة إشعار صوتي بهذا الانتقال؛ فتحول الإيقاع من ارتجاج قصير إلى امتداد مسترسل يناسب السرد.