فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ
فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ
هذا جواب الله عن استنكارهم كله بأوجز عبارة وأقطعها. والمعنى عند أهل التأويل: إنما تلك الكرّة التي استبعدتموها واستهزأتم بها صيحة واحدة يصيحها إسرافيل بالنفخة الثانية، فإذا هم قيام ينظرون. و{زَجْرَةٌ} فسرها المفسرون بالصيحة؛ لأن الزجر يكون بالصوت المرتفع لردع المزجور وحمله على المضي؛ ومنه زجر الراعي غنمه وزجر السائق دابته. قال جماعة من السلف: هي النفخة الثانية. وأشار ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية إلى أن المراد أنها أمر واحد لا كلفة فيه ولا معالجة ولا تكرار؛ وأن الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. ويشهد لهذا المعنى نظائره في القرآن: {إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ}، و{وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الجواب مثال بالغ في اقتصاد النظم؛ فقد استغرقت شبهتهم ثلاث آيات، ولم يستغرق الرد إلا آية واحدة قصيرة. وفي هذا التفاوت بين طول الشبهة وقصر الجواب رسالة في ذاته: أن ما استكثروه ليس عند الله بشيء. ثم إن اختيار الجواب أن يكون بذكر «كيفية» الوقوع لا بذكر «إمكانه» انتقال ذكي بمقام الجدل؛ إذ الجدل في الإمكان يطول، فأُتي بما يقطعه: ليست المسألة مسألة إمكان حتى نتناظر فيها، بل هي واقعة بصيحة. وتناسب هذا مع مطلع السورة تناسباً تاماً؛ فمن أقسم بالمدبرات أمراً أخبر أن أمره لا يحتاج إلا صيحة.