إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى
إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): بدأ تفصيل القصة من موضع النداء؛ وهو أول مواقف الاصطفاء. والمعنى: اذكر حين ناداه ربه بالوادي المطهر المبارك المسمى «طوى»، وهو الوادي الذي في جانب الطور الأيمن. قال جمهور المفسرين: {الْمُقَدَّسِ} أي المطهر المبارك. واختلفوا في {طُوًى}: فقيل هو اسم الوادي علم عليه، وقيل معناه أنه طُوي مرتين أي قُدّس مرتين، وقيل أُمر موسى أن يطأه بقدم حافية فطوى نعليه. وقُرئ في القراءات المتواترة {طُوًى} بالتنوين وبغير تنوين؛ فمن نوّن جعله اسماً منصرفاً أو مصدراً، ومن منع الصرف جعله علماً مؤنثاً على البقعة أو للعلمية والعدل. وتفصيل هذا النداء مذكور في مواضع أخرى من القرآن؛ منها قوله تعالى في سورة طه: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}؛ فجاءت النازعات مجملة وجاءت طه مفصلة، وهذا من تكامل المواضع في القرآن.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بدأ سرد القصة من نقطة النداء، وطُويت مقدماتها كلها: نشأة موسى، وقتله القبطي، وخروجه إلى مدين، ورجوعه بأهله. وهذا الطي مقصود في نظم السورة؛ لأن الغرض ليس سرد سيرة، بل عرض نموذج المواجهة بين الدعوة والطغيان. فبدئ بأول لحظة في التكليف وانتهي بآخر لحظة في العقاب؛ وحُذف كل ما بينهما مما لا يخدم الغرض. وفي هذا درس في اقتصاد النظم: يُذكر من القصة بقدر ما يخدم المقصد. ثم إن ذكر «الوادي المقدس» في مطلع القصة يقابل ما سيأتي من ذكر «الطغيان»؛ فبدء الطريق تقديس، وبدء المقابل طغيان.