فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ
فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا بيان لصيغة الخطاب التي أُمر موسى أن يخاطب بها فرعون؛ وهي صيغة عرض ولين لا صيغة تقريع وتشديد. والمعنى: هل لك رغبة ومَيل إلى أن تتطهر من دنس الكفر والطغيان؟ قال جمهور المفسرين: {تَزَكَّىٰ} أي تتطهر وتُصلح نفسك بالإسلام؛ وأصله «تتزكى» فحُذفت إحدى التاءين تخفيفاً. وقُرئ في القراءات المتواترة {تَزَكَّىٰ} بتخفيف الزاي وبتشديدها؛ فمن شدد فأصله «تتزكى» بإدغام التاء في الزاي، ومن خفف فبحذف إحدى التاءين. وذكر المفسرون أن في هذه الآية بيان أدب الدعوة؛ فإن الله لم يأمر نبيه أن يبدأ بالتوبيخ مع أن المدعو قد بلغ غاية الطغيان. ونظير هذا الأمر ما جاء في سورة طه: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}؛ فالموضعان متفقان في تقرير هذا الأصل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضى النظم أن يُبدأ الخطاب بالعرض لا بالأمر؛ فلم يقل «فقل له: تزكَّ»، بل قال {فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ}. والفرق بين الصيغتين كبير في أثرهما على المخاطب: الأمر يستدعي المقاومة عند المستكبر، والعرض يستدعي التفكر. ثم إن ترتيب الدعوة في الآيتين ــ هذه والتي بعدها ــ جاء على وفق الترتيب الطبيعي في إصلاح الإنسان: تطهير أولاً {تَزَكَّىٰ}، ثم معرفة ثانياً {وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ}، ثم خشية ثالثاً {فَتَخْشَىٰ}. فالنظم يعرض منهجاً متكاملاً في بناء النفس لا مجرد عبارة.