أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا
أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا
هذا تفسير للدحو وبيان لمعناه. والمعنى عند أهل التأويل: أخرج من الأرض ماءها بتفجير العيون والأنهار، وأخرج مرعاها وهو ما ترعاه الدواب من النبات والكلأ. قال جمهور المفسرين: {مَاءَهَا} أي عيونها وأنهارها، {وَمَرْعَاهَا} أي نباتها وما يُرعى فيها. وقال بعضهم: المرعى يشمل كل ما يُنتفع به من النبات للإنسان والحيوان؛ لأن الرعي هو التناول من الأرض. وأشار السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية إلى أن ذكر الماء والمرعى جامع لأصول أقوات الخلق كلها؛ إذ لا قوام للحياة بغيرهما. ونظير هذا في القرآن قوله: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء تفسير الدحو بإخراج الماء والمرعى؛ فدل على أن المقصود بالدحو ليس مجرد البسط الهندسي بل التهيئة الكاملة للحياة. وفي تقديم الماء على المرعى ترتيب على وفق الحقيقة؛ فإن المرعى فرع الماء لا العكس؛ وهذا مقرر في قوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}. ثم إن هذه الآية والتي بعدها تكملان صورة الأرض المهيّأة: ماء يُشرب، ومرعى يُؤكل، وجبال تُرسي؛ ثم يأتي التصريح بالغرض في قوله {مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}؛ فيُختم المقطع الكوني بالامتنان بعد الاحتجاج؛ وهذا من ألطف ما في السورة من الجمع بين الحجة والنعمة.