فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا
فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا
هذا خاتمة الأقسام الخمسة، وهو الوصف الذي عليه مدار ترجيح المفسرين في تعيين المقسم به كله. واتفق أهل التأويل على أن {الْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} هي الملائكة الموكلة بتدبير ما أمرها الله بتدبيره من شؤون الخلق؛ فمنها الموكل بالقطر والنبات، ومنها الموكل بالرياح، ومنها الموكل بالأرزاق، ومنها الموكل بحفظ العباد وكتابة أعمالهم، ومنها الموكل بالنفخ في الصور. قال جماعة من السلف: هي الملائكة تدبر أمر العباد بأمر ربها، ولا تدبر شيئاً من تلقاء نفسها. ونبّه ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية على أن التدبير المضاف إلى الملائكة تدبير تنفيذ لا تدبير تقدير؛ فالتقدير لله وحده، وهي منفذة لما قدّر. وهذا هو الفارق الجوهري الذي تنبني عليه سلامة التوحيد في هذا الموضع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ختمت الأقسام بالتدبير لأنه الغاية التي تجتمع عندها الأوصاف السابقة؛ فالنزع والنشط والسبح والسبق كلها حركات، والحركة إنما تُراد لغاية، وغايتها هنا إمضاء أمر الله في خلقه. وبهذا الختام تنعقد الصلة بين مطلع السورة وموضوعها؛ فإن السورة مسوقة لإثبات البعث، والبعث أمر من أمر الله يُدبَّر تدبيراً؛ فذكر الملائكة المدبرات تمهيد لذكر أعظم ما ستدبره وهو النفخ في الصور: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ}. فالآية جسر بين مشهد الدنيا ومشهد الآخرة؛ إذ الملائكة التي تنزع اليوم هي التي تنفخ غداً.