فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا
فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا
هذا هو القسم الرابع، وقد عُطف بالفاء لا بالواو؛ إيذاناً بأن هذا الوصف مترتب على ما قبله. وأكثر أهل التأويل على أن {السَّابِقَاتِ} هي الملائكة تسبق إلى تنفيذ أمر الله، وتسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وتسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء فلا تتمكن من استراق شيء منه. وقيل: هي النجوم يسبق بعضها بعضاً في السير. وقيل: الخيل في الغزو. ورجّح ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الأظهر في هذه الأوصاف كلها أنها للملائكة، لاتساق السياق ولختمه بالتدبير. والسبق في مقام الملائكة يجمع معنيين لا يتنافيان: المسارعة إلى الامتثال، والغلبة على المزاحم؛ وكلاهما ثابت لها بنص القرآن؛ فالأول في قوله: {يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، والثاني في حراسة الوحي من مسترقي السمع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تحول حرف العطف من الواو إلى الفاء عند الوصفين الأخيرين ــ {فَالسَّابِقَاتِ} و{فَالْمُدَبِّرَاتِ} ــ نقلة دقيقة في النظم؛ فالأوصاف الثلاثة الأولى معطوفة بالواو لأنها أعمال متغايرة لا يلزم ترتب بعضها على بعض، أما السبق فمترتب على السبح، والتدبير مترتب على السبق؛ لأن الملَك يجري ثم يسبق ثم يبلغ فيؤدي ما أُمر به. فأفاد النظم تصوير سلسلة العمل الملائكي من مبدئه إلى منتهاه، وأن هذه الحلقات كلها ليست عبثاً بل تنتهي إلى تنفيذ أمر واحد. وهذا التسلسل نفسه هو الحجة التي تُساق للمكذبين: فمن كان له في ملكه هذا النظام المحكم في التنفيذ، لم يكن البعث عليه بعسير.