وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا
وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا
افتتح الله تعالى السورة بقسم مهيب مبهم الموصوف، فذكر الصفة وطوى الموصوف؛ ليتعلق ذهن السامع بالوصف ويُقبل عليه متسائلاً. وأشهر ما ذهب إليه أئمة التفسير من السلف أن المراد بـ {النَّازِعَاتِ} الملائكة الموكلة بقبض أرواح بني آدم؛ تنزعها من الأبدان نزعاً شديداً مستقصىً. وهذا القول هو الذي رجّحه الطبري في جامع البيان عند تفسير أول سورة النازعات، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم في الموضع نفسه؛ لدلالة السياق اللاحق عليه؛ إذ ختم القسم بـ {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا}، والتدبير بأمر الله وصف ملائكي بإجماع أهل التأويل. ونُقل عن جماعة من المفسرين أقوال أخرى: أنها النجوم تنزع من أفق إلى أفق، أو القسيّ تنزع بالسهام، أو النفوس تنزع عند الغرغرة، أو الوحش تنزع في مراعيها؛ وهذه أقوال يجمعها معنى الجذب والاستخراج بقوة، ولا تعارض جوهري بينها وبين القول الأول من جهة أصل المادة اللغوية، غير أن سياق السورة كله في البعث وتدبير الأمر يعضد إرادة الملائكة. وقد ثبت في أصل مشهد النزع ما رواه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه في باب ما يقال عند المحتضر، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في خروج نفس المؤمن ونفس الكافر، وأن ملك الموت يجلس عند رأس الميت؛ فهو أصل معتبر في تصوير هذا المشهد الذي أقسم الله به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تقدمت سورة النبأ بختامها في وقوف الروح والملائكة صفاً بين يدي الله، فجاءت النازعات لتفتتح بالقسم بتلك الملائكة نفسها في حال عملها لا في حال وقوفها؛ فاتصل آخر السورة السابقة بأول هذه اتصال المشهد بالمشهد. ثم إن اختيار مشهد النزع ليكون أول ما يُقسم به مقصود في بناء السورة؛ لأن السورة كلها مسوقة لإثبات البعث، والبعث ردّ للروح بعد نزعها؛ فكان المقسَم به دليلاً على المقسَم عليه لا مجرد معظَّم. فالذي شاهدتم آثار قدرته في انتزاع الأرواح من أجسادها، ولم تملكوا لها رداً ولا دفعاً، هو القادر على إعادتها إليها؛ والقياس هنا قياس أولوية لا مماثلة.