رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا
رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا
وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»): هذا تفصيل لقوله {بَنَاهَا}. والمعنى عند أهل التأويل: رفع ارتفاعها وجعله عالياً بعيداً، ثم سوّاها فأتقنها وعدّلها فلا خلل فيها ولا فطور. و{سَمْكَهَا} فسره المفسرون بارتفاعها وسقفها؛ يقال: سمك الشيء إذا ارتفع، وسمكه غيره إذا رفعه. و{سَوَّاهَا} أي جعلها مستوية مستقيمة لا اعوجاج فيها ولا تفاوت. ونظير هذا الوصف في القرآن قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ}. وقرر أهل التفسير أن ذكر هذين الوصفين ــ الرفع والتسوية ــ جامع لكمال الصنعة؛ فالرفع بيان لعظم البناء، والتسوية بيان لإتقانه؛ فلا يُغني أحدهما عن الآخر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظم وصف السماء في هذه الآية والتي بعدها على ترتيب دقيق: بناء، ثم رفع، ثم تسوية، ثم إغطاش ليل، ثم إخراج ضحى. فبُدئ بالجملة ثم فُصّل، وبُدئ بالهيكل ثم بالوظيفة. وهذا هو ترتيب الصنعة المحكمة في مقاييس العقل: يُبنى الشيء أولاً ثم يُهيَّأ للانتفاع به. وفي هذا الترتيب حجة ضمنية: أن هذا الإحكام لا يقع مصادفة؛ فمن رأى بناءً مرفوعاً مسوّى مُهيّأ لم يشك في صانع قصد إليه. ثم إن ذكر التسوية هنا يقابل ما سيأتي في وصف الأرض من الدحو والإرساء؛ فكلاهما تهيئة للانتفاع.