ترسيخ عقيدة الثبات، وتصفية الصف المسلم من شوائب الدخل والهوى، واستخلاص سنن النصر والهزيمة من أحداث غزوة أحد، وتصحيح مفاهيم القضاء والقدر والشهادة.
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}.
- تأصيل بداية المعركة الوجودية بين ذرية آدم وإبليس منذ بدء الخلق؛ وبيان حبائل الشيطان في نزع اللباس وإبداء السوءات والاستدراج إلى الشرك {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ}.
- استعراض تاريخي ملحمي لمصائر الأمم السابقة (قوم نوح، عاد، ثمود، قوم لوط، أهل مدين، آل فرعون)؛ لبيان أن سنة الله ماضية لا تتخلف في نصرة رسله واستئصال الطغاة المستكبرين بالرجفة أو الصيحة أو الطوفان أو الغرق.
سألت علي بن أبي طالب: لمَ لمْ تكتب في براءة «بسم الله الرحمن الرحيم»؟ قال: «لِأَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَانٌ، وَبَرَاءَةٌ نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ وَلَيْسَ فِيهَا أَمَانٌ».
استعراض نماذج تاريخية حية؛ جهاد نوح عليه السلام مع قومه وتحديه لهم ثم إغراقهم، ومواجهة موسى وهارون لفرعون وملئه واستعلائه بالسحر، ثم غرقه وتنجية بدنه ليكون آية للأجيال، واستثناء قوم يونس في قبول التوبة عند الشدة.
تقديم سجل تاريخي متتابع لمصائر الحضارات المكذبة؛ كيف أهلك الله قوم نوح بالطوفان، وعاداً بالريح، وثمود بالصيحة، وقوم لوط بالخسف والحجارة المنضودة، وأهل مدين بالرجفة، وفرعون بالغرق؛ ليقرر أن الظلم والاستكبار هما علة سقوط الأمم: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}.
تقرير القانون الإلهي الخالد: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.
تصوير الحوار المتكرر بين الرسل وأقوامهم، وإبراز سلاح الرسل الأوحد وهو التوكل الجازم على الله: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا}، في مقابل تهديد الطغاة بالنفي والإخراج: {لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}؛ ونزول الوعد الإلهي بهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين الأرض من بعدهم.
عرض مصارع الغابرين (قوم لوط، أصحاب الأيكة، أصحاب الحجر) كعبرة حية لكل مستكبر.
عرض حركات الرسل وأممهم (نوح في مواجهة ملئه وبناء الفلك والنجاة، هود وقومه والصيحة التي جعلتهم غثاءً، موسى وهارون في مواجهة استكبار فرعون وملئه، وعيسى وأمه وآية الربوة ذات القرار والمعين)، وتقرير الأصل الإلهي الجامع: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}.
بيان سنة الله في بشرية الرسل وأكلهم الطعام ومشيهم في الأسواق، وجعل الناس بعضهم لبعض فتنة للتمحيص.
{وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ}، وسنة الله الثابتة التي لا تتبدل ولا تتحول.
ختمت السورة بتقرير قاعدة مطردة وهي أن التوبة والإيمان لا ينفعان العبد إذا نزل به عذاب الاستئصال أو عاين الموت: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ}؛ لتظل التوبة مقبولة ما دام باب الاختيار والتكليف مفتوحاً.
تختتم السورة بالقاعدة الإيمانية والسننية الكبرى التي تقطع الشك باليقين: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}.
بيان قدرة الله على إرسال الآيات الرادعة وإهلاك المتكبرين بعد كشف الضر عنهم ونكثهم لعهودهم.
استعراض نماذج تاريخية حية تبدأ بإكرام إبراهيم عليه السلام لملائكة الرحمن وبشارته بالولد العليم، ثم حلول العذاب الحاصب بقوم لوط الفاسقين، وعقاب فرعون وجنوده في اليم، وإبادة عاد بالريح العقيم، واستئصال ثمود بالصاعقة، وإغراق قوم نوح؛ لبيان أن سنن الاستدراج والإهلاك لا تحابي مجرماً.
ساقت السورة مصارع أربع طوائف: ثمود أُهلكت بالطاغية، وعاد أُهلكت بريح صرصر عاتية سُخّرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، وفرعون ومن معه، والمؤتفكات قرى قوم لوط. والمقصد أن الذي أهلك هؤلاء في الدنيا بأسباب مشهودة قادر على البعث والجزاء في الآخرة؛ فالإهلاك بعث مصغّر، والدنيا معرض من معارض قدرته.
بعد مشاهد الهلاك جاء مشهد النجاة في الجارية: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}؛ فالسنّة الإلهية لا تعمل بالإهلاك وحده بل بالإهلاك والإنجاء معاً؛ وذلك أدعى لرجاء المؤمن وخوف المعرض. وعُلّل ذلك بغاية تربوية صريحة: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}.
سنة الله في الاستقامة والإعراض، وتقرير إخلاص العبادة.
ضرب المثل بإرسال رسول إلى فرعون وعصيانه وأخذه أخذاً وبيلاً؛ ليعلم مكذبو قريش أن سنة الله في المكذبين واحدة لا تتبدل.
قصة موسى وفرعون شاهداً على سنة الله في الطغاة.
افتتحت السورة بالأمر بالتسبيح {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، ثم أتبعته بسلسلة من الأفعال الموصولة تبيّن موجب هذا التنزيه: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ}؛ فالتسبيح ههنا ثمرة نظر في سنن الله في خلقه، لا مجرد لفظ يُقال.
الأمر بتسبيح الرب الأعلى، وبيان موجبه من سنن الخلق والتقدير والهداية والإنبات.
أقسم الله بالفجر، وبليال عشر، وبالشفع والوتر، وبالليل إذا يسري؛ وكلها أزمنة متحركة متبدلة، تشهد بأن هذا الكون قائم على التداول والانقضاء لا على الثبات؛ فمن ظن أن حاله دائم فقد كذّبته الأزمنة نفسها. ثم عقّب بقوله: {هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ} تنبيهاً على أن هذا البيان إنما ينتفع به صاحب العقل الحاجز عن الهوى.
قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} هو مفصل السورة وعمودها؛ فهو تعليل لما مضى من إهلاك الأمم، وتمهيد لما يأتي من محاسبة الأفراد؛ ومعناه أن المهلة ليست إهمالاً، وأن تأخر العقوبة لا يعني سقوطها، بل الطريق الذي يسلكه الطاغي مرصود عليه من مبتدئه إلى منتهاه.
قُدّم في الآية الثانية {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} على ذكر ما أصابهم؛ ليُعلم أن أول ما وقع بهم هو إبطال تدبيرهم وتحييره؛ فلم يبلغوا شيئاً مما أرادوا؛ وهذه أشد من الهلاك؛ إذ الهلاك مع بلوغ المقصود دون الهلاك مع الحرمان منه.
تقدمت سورة الفيل بمشهد إهلاك من قصد البيت بسوء؛ فجاءت هذه السورة تبيّن أن ذلك الدفع كان صيانة لبيت الله ولمصلحة أهله، لا إقراراً لهم على شركهم؛ فمن ظن أن نجاته من الفيل شهادة له بالرضا فقد عكس دلالة الحادثة.