بناء الكعبة، دعوة إبراهيم بمحمد ﷺ، وتحويل القبلة كإعلان لاستقلال الأمة المسلمة وتميز قبلتها.
{يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. ### ٥. المحور الخامس: المحاكمة العقدية لأهل الكتاب ومشهد القيامة الأكبر (الآيات ٦٧ - ١٢٠) - أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ المطلق مع ضمان العصمة الإلهية من الناس.
- لا تعارض بين القولين؛ فالصحابة الكرام عند جمع المصحف اعتمدوا على التوقيف في عدم كتابتها موافقة للسماع المحفوظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفقت حكمة الرسم مع حكمة المعنى والمقصد التنزيل؛ إذ كان جبريل عليه السلام لم ينزل بالبسملة مع مطلع براءة قط؛ لأن الله أراد أن تكون فاتحتها قاطعة لكل أمان للمشركين الناكثين.
تصوير حقيقة الحياة الدنيا كغيث أخرج نبات الأرض فازينت ثم أتاها أمر الله ليلاً أو نهاراً فجعلها حصيداً كأن لم تغنَ بالأمس، والدعوة إلى دار السلام، وبيان مشهد الحشر الأكبر وتبرؤ الشركاء من عابديهم.
دعوة النبي ﷺ والمؤمنين إلى الثبات على الحق، والتوكل على الله، والصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، والبشارة لأولياء الله بأنه {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۚ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۚ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}.
تشخيص الكلمة الطيبة (لا إله إلا الله ودعوة الحق) في صورة شجرة باسقة ضاربة الجذور في الأعماق وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها؛ وتشخيص كلمة الكفر والباطل في صورة شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
إبطال أعظم فرية افتراها الضالون على الذات الإلهية {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا}، وتصوير ارتعاد السماوات والأرض والجبال من هذا القول المنكر، وتأكيد أن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً، وخاتمة السورة بالبشارة للمؤمنين بفيض الود والرحمة والإنذار للقوم اللد.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}.
{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}؛ لبيان أن مهمته البلاغ المبين وليس إجبار القلوب على الإيمان.
بعد الأمر بالتسبيح والحمد في طرفي النهار والأوقات البينية، تفتح السورة سلسلة الآيات الكبرى المصدرة بقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ}: - خلق الإنسان من تراب وانتشاره في الأرض. - خلق الأزواج والسكينة والمودة والرحمة الأسرية. - خلق السماوات والأرض واختلاف الألسن والألوان كآيات لأولي النهى والعالمين. - آية النوم بالليل والنهار وابتغاء فضل الله. - آية البرق خوفاً وطمعاً وإنزال الماء وإحياء الأرض بعد موتها. - آية قيام السماء والأرض بأمره، ودعوة البعث بالنفخة والخروج من الأرض.
{النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}. - ميثاق النبيين الغليظ في تبليغ الرسالة والصبر عليها.
{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ}؛ بالدعوة إلى الانعتاق من ضغط الجماهير والتعصب القبلي، والتفكر النزيه في دلائل الصدق والرسالة.
{وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ}.
تحذير الكفار من المصير التاريخي المحتوم؛ فإن أعرضوا عن هذه البينات فبين أيديهم صاعقة مستأصلة كصاعقة عاد التي أهلكت بريح صرصر عاتية، وصاعقة ثمود التي أخذتهم بصاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون.
رسم أرقى مناهج الدعوة إلى الله والتعامل مع الخصوم؛ بتقرير فضل الدعوة: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، ودفع السيئة بالتي هي أحسن لتحويل العداوة إلى ولاية وصداقة حميمة، والتحلي بالصبر العظيم والحظ الوافر، والاستعاذة بالله من نزغات الشيطان.
{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}.
بيان قدرة الله على إرسال الآيات الرادعة وإهلاك المتكبرين بعد كشف الضر عنهم ونكثهم لعهودهم.
الاعتبار بالقرون، ونفي اللغوب، وتوجيهات التسبيح وخاتمة الإنذار بالقرآن*:
لفت العقول إلى النظر في استقرار الأرض، والتأمل في عجائب الصنعة الإلهية داخل البنية الجسدية والنفسية للإنسان {وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}، وإرساء العقيدة الراسخة بأن مادة الرزق ومصدره مقدر في السماء، والتأكيد بالقسم على أن ذلك حق ويقين لا يتطرق إليه شك كما لا يشك المرء في نطقه.
القطب المقاصدي الحاكم لسورة القمر هو: **«الإنذار الحاسم بدنو القيامة وانخرام نواميس الكون عبر معجزة انشقاق القمر، وتعرية المكابرة النفسية للمكذبين، ومحاكمتهم بوقائع الاستئصال الصاعقة للأمم البائدة، مع إعلان التيسير الرباني للقرآن للذكر والاتعاظ، وتتويج ذلك ببيان قانون القدر الإلهي النافذ، وجزاء المجرمين في سقر والمتقين في مقعد صدق عند مليك مقتدر»**. ---
عرضت ثلاث طبقات من الأمة: المهاجرون الذين أُخرجوا فصدقوا، والأنصار الذين آووا فآثروا، واللاحقون الذين ورثوا الدعوة فاستغفروا لمن سبقهم؛ فجعلت وحدة الأمة عبر أجيالها قائمة على الدعاء لا على الطعن.
{سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}؛ فبيّن أن الشفاعة لا تنفع مع إصرار وامتناع عن التوبة؛ إذ لُوّيت رؤوسهم عن الدعوة إليها.
{إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}، ثم بيان أن الله ومَن معه مولاه وناصره.
قصة مطولة في سبع عشرة آية تحكي قوماً منعوا حق المسكين من ثمر حديقتهم فأُهلك زرعهم في ليلة، ثم لاموا أنفسهم وأنابوا؛ وفيها إنذار لقريش أن نعمتهم لا تعصمهم، وأن النعمة إذا قُطع عنها حق الله ذهبت في لحظة.
بعد مشاهد الهلاك جاء مشهد النجاة في الجارية: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}؛ فالسنّة الإلهية لا تعمل بالإهلاك وحده بل بالإهلاك والإنجاء معاً؛ وذلك أدعى لرجاء المؤمن وخوف المعرض. وعُلّل ذلك بغاية تربوية صريحة: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}.
لما تقرر الخبر بقي أن يُوثَّق المخبِر؛ فجاء القسم {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ}، ثم تنزيه القرآن عن الشعر والكهانة، ثم إثبات مصدره {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}، ثم أشد ما في السورة من التهديد وهو موجه إلى النبي ﷺ نفسه على سبيل الفرض المحال: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}؛ وهو أبلغ برهان على أمانة التبليغ.
انتهت السورة إلى {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ}، وهي أرفع منازل العلم؛ ثم أعقبتها بالأمر بالتسبيح: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ}؛ فالعلم إذا تمّ ثمرته العبادة، والإنذار إذا أُدّي فراحة المنذِر في تسبيح ربه.
مقطع {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلى {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} يقطع دابر الطمع الكاذب في الجنة بغير إيمان، ويذكّرهم بأصل خلقهم من ماء مهين، ثم يقسم بربّ المشارق والمغارب على القدرة على استبدالهم بخير منهم، وهو أشد ما يُقرع به المستكبر: أنه ليس بضروري في ملك الله.
افتُتحت السورة بأن الإرسال كان {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}؛ فالعذاب لا ينزل بأمة إلا بعد إعذار وإنذار؛ وهذا أصل في عدل الله تعالى مع خلقه.
التكليف الإلهي وصيغة العرض الأولى للدعوة.
عرض نوح عليه السلام سجل دعوته أمام ربه في تدرج بديع يستوعب الزمن كله (الليل والنهار)، والحال كله (السر والجهر)، والخطاب كله (الترغيب بالمغفرة وسعة الرزق، والترهيب بالعذاب الأليم)؛ فما بقي باب من أبواب البلاغ إلا طرقه.
عرض سجل الدعوة على الله، وتفصيل الترغيب والبراهين الكونية.
تقرير فشل الدعوة في القوم وكشف أسبابه.
أمر الله نبيه أن يعلن أنه لا يملك ضراً ولا رشداً، وأنه لن يجيره من الله أحد، وأنه ليس له إلا البلاغ؛ فقُطعت دعوى من يرفعه فوق منزلة العبودية، كما قُطعت دعوى من ينكر رسالته؛ إذ إن هذا الإعلان نفسه من أظهر دلائل صدقه.
افتُتحت السورة بنداء التلطف والوصف الحالي، ثم بسبعة أوامر متتابعة على وزن واحد وروي واحد: القيام، والإنذار، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، وترك المنِّ الاستكثاري، والصبر لله. فهذه هي منظومة التكليف الأولى للنبوة: عقيدةٌ في القلب، وطهارةٌ في الظاهر، وبراءةٌ من الوثنية، ونزاهةٌ في الباعث، وثباتٌ على الطريق.