- سورة البقرة سورة مدنية خالصة بإجماع السلف والمفسرين، وهي أول سورة نزلت بالمدينة المنورة بعد الهجرة النبوية الشريفة، واستمر نزول آياتها وأحكامها على امتداد العهد المدني كله؛ حتى كانت خاتمتها ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ آخر آية نزلت من السماء على الإطلاق قبل وفاة النبي ﷺ بليالٍ قلائل.
منظومة التشريع المدني المحيط (القصاص، الوصية، الصيام، الجهاد، الحج، الأسرة والطلاق، النفقات، والدماء).
الأيتام، النساء، الولدان، والفقراء؛ بتشريعات قطعية تقطع أطماع الجاهلية في أكل أموالهم أو ظلمهم.
المواريث المفصلة، عقد النكاح وشروطه، المحرمات من الرضاع والنسب، القوامة ومسؤولية الرعاية، وضمانات استقرار الأسرة.
الانطلاق من تقرير إخلاص الدين لله: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}، والتحذير من الركون إلى الأصنام والأنداد والمخلوقين، وإثبات أن نواصي الخلائق كلها بيد الله وحده: {مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.
المقصد الكلي الناظم لآيات سورة الإسراء هو: **«تقرير التنزيه المطلق لله تعالى وتوحيده الخالص، وإعلان انتقال مركز القيادة الروحية والرسالية للبشرية إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم وأمته، بعد استنفاد بني إسرائيل لفرص الاستخلاف بإفسادهم وعتوهم، وبيان دستور الأخلاق والتشريع القويم الذي تبتنى عليه النهضة الحضارية الراشدة بالقرآن العظيم الذي يهدي للتي هي أقوم»**. فالسورة الكريمة تؤسس لمعادلة الاستخلاف البشري؛ حيث تبدأ بمعجزة الإسراء الرابطة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى إعلاناً بوراثة الأمة المحمدية للمقدسات وميراث النبوات، ثم تعقب بنبوءة الصراع مع الإفساد الإسرائيلي، وترسخ بعد ذلك منظومة من الأوامر والزواجر الأخلاقية والاجتماعية التي تمثل صمام الأمان لأي أمة تسعى للبقاء والعزة، وتبرز أن القرآن الكريم هو الملاذ العاصم من التيه والضلال. ---
الافتتاح بذكر رحمة الله بعبده زكريا عليه السلام، وهبته يحيى على الكبر وعقم الزوجة، تجسيداً للقدرة القاهرة التي تفلق نوى الأسباب وتستجيب لتضرع العبد الخفي.
إرساء التشريعات الزجرية الصارمة (حد الزنا مائة جلدة، حد القذف ثمانون جلدة ورد الشهادة والتفسيق، وتشريع اللعان بين الزوجين لدرء العذاب).
حين يمارس الوالدان أقسى الضغوط العاطفية والاجتماعية لإجبار الابن على الشرك، فيأتي التوجيه الرباني بالبر والإحسان الدنيوي المصحوب بالرفض الحاسم للمعصية: {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا}.
{هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ}.
الوفاء للأم في حملها الوهن على وهن وفصالها في عامين، وشكرهما مع شكر الله، مع وجوب عصيانهما بحزم وأدب إن أمرا بالشرك، ومصاحبتهما في الدنيا بالمعروف.
{مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}. - إبطال أحكام الظهار الجاهلية التي تحرم الزوجة كالأم.
- تخيير نساء النبي صلى الله عليه وسلم بين زهرة الدنيا وفراق الرسول، وبين الله ورسوله والدار الآخرة، واختيارهن جميعاً لله ورسوله.
{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ}.
{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}. - عقد الفضائل العشر للرجال والنساء المؤمنين والقانتين وجزاؤهم بالمغفرة والأجر العظيم. - إبطال أعراف التبني عملياً بزواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش بعد فراق زيد لها لرفع الحرج عن المؤمنين.
- أحكام المطلقة قبل المسيس، وخصوصيات النكاح النبوي وما أحل الله له من أزواج. - آداب دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، وحكم الحجاب وسؤال أمهات المؤمنين من وراء حجاب. - التحذير الصارم من أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكاح أزواجه من بعده أبداً.
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ}. - تهديد المرجفين والمنافقين في المدينة باللعن والقتل إن لم ينتهوا.
{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}.
{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}، ودعاء بلوغ الأربعين بالصلاح والذرية.
نعيم المتقين في جنات ونعيم، فاكهين بما آتاهم ربهم، متكئين على سرر مصفوفة، مزوجين بحور عين، وإلحاق ذرياتهم بهم بفضل الله، وتتابع الفواكه واللحوم وأكواب الخمر الطاهرة وغلمانهم المكنونون.
{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}، وتفصيل نعيمهما (ذواتا أفنان، عينان تجريان، من كل فاكهة زوجان، الفرش ذات البطائن من إستبرق، الحور قاصرات الطرف كأنهن الياقوت والمرجان)، وإعلان القانون الإلهي الأكبر: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}.
كان الظهار في الجاهلية طلاقاً باتّاً لا رجعة فيه، فأبطلت السورة هذا الحكم، وقرّرت أن القول لا يغيّر الحقائق: {مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ}.
أحكام المهاجرات وما يتصل بها، وبيعة النساء، وخاتمة التحذير.
ختمت السورة ببنود بيعة النساء على ست خصال جامعة تبدأ بالتوحيد وتنتهي بطاعة المعروف؛ فجعلت إصلاح الأسرة والنسل جزءاً من عقد الولاء العام.
لم تُبح السورة الطلاق فوضى، بل ربطته بوقت تبدأ به العدة: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}؛ فحُصر في طهر لم يقع فيه مسيس، وهو التوقيت الذي يعطي فرصة للمراجعة ويمنع تطويل العدة على المرأة.
توقيت الطلاق وإحصاء العدة وحق السكنى، ثم الإمساك أو المفارقة بمعروف مع الإشهاد، ثم بشارتا المخرج والرزق للمتقي المتوكل.
{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ}؛ وسُمي البيت بيتها مع أنه بيت الزوج تأكيداً لحقها فيه مدة العدة.
{وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا}؛ إشارة إلى أن التهاون بحدود الله في الأسرة من جنس العتوّ الذي أهلك القرى.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}؛ وهي الآية الجامعة لمسؤولية رب الأسرة عمن تحت يده.
مقطع {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} إلى {ثُمَّ يُنجِيهِ} يرسم انهيار الكون ثم انهيار الروابط الإنسانية؛ فلا يسأل حميم حميماً مع أنه يبصره، وتتحول أعز الأنساب — البنون والزوجة والأخ والعشيرة — إلى فدية يودّ المجرم لو دفعها ونجا. وهو تصوير لإفلاس كل ما اعتمد عليه الإنسان في الدنيا.
العودة إلى نشأة الإنسان الأولى من نطفة ثم علقة ثم تسوية وتقدير للزوجين؛ لينتهي إلى السؤال الذي لا جواب له إلا التصديق: {أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ}.
أمر تهكمي بالانطلاق إلى ما كانوا يكذبون به، ثم إلى ظل من دخان ذي ثلاث شعب لا يظل ولا يقي، ثم وصف شرر النار بأنه كالقصر وكأنه جمالات صفر؛ فالمشهد يتدرج من السَّوق إلى الظل الكاذب إلى الشرر المتطاير.
لم يترك القرآن الدعوى مجردة، بل عيّن أربع علامات عملية تفضح صاحب الميزان الفاسد: ترك إكرام اليتيم، وترك التحاض على طعام المسكين، وأكل الميراث أكلاً جامعاً لا يفرق بين حلال وحرام، وحب المال حباً مفرطاً مستحوذاً. فربط الاعتقاد الخاطئ بسلوك ظاهر يُقاس به.
لم تُفرَد المرأة بحكم مستأنف بل عُطفت على زوجها في المصير؛ لأنها كانت شريكته في الفعل؛ فتقرر أن المعاونة على الإثم توجب الاشتراك في تبعته.