﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ميزان العبودية الجامعة بين التعبد والتبرؤ من الحول والقوة.
الأمر بالعدل والقسط حتى مع الأعداء والأقربين، وتحريم شهادة الزور.
الوجل عند ذكر الله، زيادة الإيمان بسماع الآيات، التوكل المطلق، إقامة الصلاة، والإنفاق في سبيل الله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ... أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}.
تمثل الآية (112): {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا}، مع قوله: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} الميزان الدقيق للسلوك الفردي والجماعي؛ فالاستقامة تعني لزوم الصراط الحق بلا غلو ولا تقصير، وعدم المداهنة أو الركون لأهل الاستبداد والفساد.
إبراز أن الكتب الإلهية إنما أنزلت لتخرج الناس من ظلمات التيه والشرك إلى نور الهداية والعدل، وأن من حكمة الله ورحمته إرسال كل نبي بلسان قومه ليبين لهم الحجة ويفصل لهم المحجة.
ختام السورة بتقرير كمال العدل الإلهي: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}، وتصوير اليوم الهائل الذي تشخص فيه الأبصار وتبدل فيه الأرض غير الأرض والسماوات ويبرز الخلائق لله الواحد القهار.
في قصة ذي القرنين؛ وعاصمها: العدل، ونشر الصلاح، واستخدام القوة في إعانة الضعفاء ونسبة الإنجاز والفضل إلى رحمة الله: {هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي}.
استثناء الشعراء المؤمنين الذين ينتصرون للحق ويوظفون الكلمة في نصرة دين الله والعدل.
- إبراز "سلطان العلم والحكمة المسخرين لشكر المنعم والتمكين لدين التوحيد"، وبيان تمايز الحضارة الإيمانية القائمة على التسبيح والعدل، عن الحضارات المادية القائمة على الشرك والاستعلاء الأجوف.
{هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}.
تقديم مشهد حشري فريد يخلع القلوب؛ حين يحشر أعداء الله إلى النار يوزعون، حتى إذا ما جاؤوها شهدت عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون؛ فينقلب الكافر معاتباً جسده: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}؛ ليعلم الإنسان أن أجهزته وحواسه التي استعملها في معصية الله ستنقلب عليه شهود عدل تفضح سرائره.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
**المنظومة الأخلاقية والمعرفية** — الإعراض عن طلاب الدنيا، ميزان المغفرة، الكبائر واللمم
*المنظومة الأخلاقية والمعرفية** — الإعراض عن طلاب الدنيا، ميزان المغفرة، الكبائر واللمم
الشمس والقمر بحسبان دقيق، سجود الكائنات العلوية والسفلية (النجم والشجر يسجدان). - إقامة ميزان العدل في الأرض والنهي عن الطغيان والتطفيف. - بسط الأرض وتزويدها بالأرزاق والأقوات والفواكه والنخل والحب ذي العصف والريحان.
قررت السورة أن غاية إرسال الرسل قيام الناس بالقسط، وأن القسط لا يقوم بالبيان وحده، بل يحتاج إلى ميزان يضبطه وقوة تحميه؛ فكان إنزال الحديد قريناً لإنزال الكتاب.
افتُتحت السورة بأعلى ما يمكن أن تُكرَّم به دعوى ضعيف؛ إذ نزل الوحي من فوق سبع سماوات في قضية امرأة واحدة، وسُمّيت السورة باسمها؛ فتقرر أن الضعف ليس مسوّغاً لإهمال الحق.
نهيٌ عن التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وأمرٌ بالتناجي بالبر والتقوى؛ فلم يُحرَّم أصل السرّ بل حُرّم مضمونه الفاسد.
أعقبت ذلك بأوضح ضابط في باب المعاملة: النهي مقصور على من قاتل في الدين وأخرج من الديار وظاهر على الإخراج؛ وما عداهم فالبر والقسط إليهم مأذون فيه بل محبوب: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.
ختم السورة بمعالجة ما وقع من انصراف بعض الناس عن الخطبة إلى تجارة قادمة ولهو؛ وتقرير الميزان: {قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ}.
{لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ}، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}؛ فارتفع الحرج عن المعسر ولم يضع حق المرأة والولد.
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}؛ فالوجود كله محكوم بغاية، والمعيار في الابتلاء إحسان العمل لا كثرته، وهي الكلمة التي بُني عليها ميزان العمل في الإسلام كله.
{فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تكسر المقياس البشري للزمن؛ فما يعده المستعجل تأخيراً ليس عند الله إلا لحظة، وما يعدّه المؤمن انتظاراً طويلاً ليس في ميزان الآخرة إلا يسيراً. ثم صُرّح بهذا المعنى في {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا}.
افتُتحت السورة بأن الإرسال كان {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}؛ فالعذاب لا ينزل بأمة إلا بعد إعذار وإنذار؛ وهذا أصل في عدل الله تعالى مع خلقه.
من طغى وآثر الحياة الدنيا فمأواه الجحيم، ومن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فمأواه الجنة؛ وهو ميزان دقيق يجعل مدار النجاة على خوف المقام وجهاد الهوى.
افتتحت السورة بعتاب رباني لطيف في شأن الإعراض عن رجل أعمى فقير جاء يطلب العلم، والإقبال على صناديد مستغنين لا يرجى منهم إقبال؛ لتقرر أن ميزان القرب من الله هو الزكاة والتذكر والخشية، لا الغنى والحسب والوجاهة.
العتاب النبوي وتقرير ميزان القيم في الدعوة.
تفرّدت السورة بتحديد ميقات الرجع بأنه {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}؛ فالمدار يومئذ على ما استكنّ في القلوب من إيمان أو نفاق، وإخلاص أو رياء، لا على ما تزيّن به الناس في الدنيا؛ ويترتب عليه سقوط كل ملجأ ذاتي أو خارجي: {فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ}.
{سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}؛ فالخشية مفتاح الانتفاع، والشقاء سبب الإعراض؛ ثم بُيّن مآل كل فريق: نار كبرى لا موت فيها ولا حياة، وفلاح لمن تزكّى وذكر اسم ربه فصلّى.
{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}؛ فردّت السورة أصل الإعراض إلى خلل في الترجيح لا إلى خفاء في الدليل؛ وهذا تشخيص دقيق لداء البشر في كل عصر.
أطول مقطع في السورة يعالج خطأً واحداً في التصور: أن الإنسان يقرأ سعة الرزق كرامة من الله ويقرأ ضيقه إهانة منه: {فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ}، {فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}. فردّ الله عليه بـ{كَلَّا} القاطعة، وبيّن أن كليهما ابتلاء واختبار؛ فمقياس الكرامة ليس ما في اليد بل ما في القلب وما تعمله الجوارح.
لم يترك القرآن الدعوى مجردة، بل عيّن أربع علامات عملية تفضح صاحب الميزان الفاسد: ترك إكرام اليتيم، وترك التحاض على طعام المسكين، وأكل الميراث أكلاً جامعاً لا يفرق بين حلال وحرام، وحب المال حباً مفرطاً مستحوذاً. فربط الاعتقاد الخاطئ بسلوك ظاهر يُقاس به.
خُتمت السورة بـ {وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا}؛ فالله سبحانه لا يستبقي في العقوبة كما يستبقي الملوك خوف عاقبة، لأنه عادل في حكمه لا يُسأل عما يفعل.
{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} و{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}؛ وهي أدق قواعد السورة وأخطرها؛ ومعناها أن الله يفتح للعبد من الأبواب ما يوافق ما بذل من الأسباب؛ فالمُقبِل يُيسَّر للإقبال، والمدبِر يُخلَّى وإدبارَه؛ وليس في ذلك جبر يرفع التكليف، بل عدل يرتب المسبَّب على السبب.
{خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} ليست مجرد خبر عن ليلة، بل تأسيس لمبدأ أن البركة في الأوقات ليست تابعة لطولها؛ فأمة قصيرة الأعمار تُعطى ليلة تعدل أكثر من ثلاث وثمانين سنة من عمل غيرها.
افتتحت السورة ببيان أن الكفار من أهل الكتاب والمشركين لم يكونوا ليُتركوا على حالهم من غير إنذار، ولا ليُؤاخذوا قبل مجيء الحجة؛ فقُدّم أصل العدل قبل أصل الجزاء؛ وهو ترتيب يسد باب الاحتجاج على الله.
خُتمت السورة بأدق ميزان عرفته النفوس: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}؛ فسدّت باب التهوين في الصغائر من جهتين معاً: تهوين الطاعة الصغيرة فتُترك، وتهوين المعصية الصغيرة فتُركب.
قسمة الخلق إلى فريقين بميزان واحد.
انتقلت السورة من المشهد الكوني إلى الحكم الفردي: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}، {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ}؛ فلم يُذكر حسب ولا مال ولا جاه؛ بل رجحان كفة أو خفتها.
لم تحاكم السورة المكذب على لسانه ونطقه، بل على يده وقلبه ومعاملته للضعفاء؛ وهو منهج قرآني في تحويل الاعتقاد إلى محك عملي يظهر في المواقف لا في الشعارات.