٧): دعاء وتضرع ورجاء بالهداية وسلوك الصراط المستقيم وتجنب سبيل المغضوب عليهم والضالين، وهو حظ العبد ومطلبه.
إعلان السمع والطاعة، ودعاء رفع الإصر والأغلال ونيل النصر والمغفرة.
بيان شرعية القتال لفكاك الأسرى والمضطهدين، وتنظيم أحكام الجندية وصلاة الخوف.
- المشهد الأخروي المهيب لحوار أصحاب الجنة وأصحاب النار، وموقف رجال الأعراف كحلقة وصل ورجاء تفصل بين الدارين.
الوجل عند ذكر الله، زيادة الإيمان بسماع الآيات، التوكل المطلق، إقامة الصلاة، والإنفاق في سبيل الله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ... أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}.
استعراض الخصائص التزكوية والأخلاقية والتعبدية لعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، ويبيتون لربهم سجداً وقياماً، ويجمعون بين الخوف والرجاء، والإنفاق المعتدل، والبراءة من الكبائر، وعمارة البيوت بالصلاح.
كشف كيف يسوق الله الأسباب الدقيقة لحماية أوليائه؛ ففرعون الذي كان يذبح آلاف الرضع خوفاً من زوال ملكه، يربى عدوه الذي يزول ملكه على يديه في داخل قصره وعلى فراشه وبماله وبأيدي نسائه {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا}؛ ليبرهن سبحانه أن الحذر البشري لا يدفع القدر الإلهي.
بعد الأمر بالتسبيح والحمد في طرفي النهار والأوقات البينية، تفتح السورة سلسلة الآيات الكبرى المصدرة بقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ}: - خلق الإنسان من تراب وانتشاره في الأرض. - خلق الأزواج والسكينة والمودة والرحمة الأسرية. - خلق السماوات والأرض واختلاف الألسن والألوان كآيات لأولي النهى والعالمين. - آية النوم بالليل والنهار وابتغاء فضل الله. - آية البرق خوفاً وطمعاً وإنزال الماء وإحياء الأرض بعد موتها. - آية قيام السماء والأرض بأمره، ودعوة البعث بالنفخة والخروج من الأرض.
- استهلت السورة بإعلان الحمد لله فاطر السماوات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، مما يقرر عظمة الصانع وجلال قدرته وانفراده باختراع الوجود بلا شريك ولا معين.
النداء الرباني المفعم بالرحمة: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
تقديم مشهد غيبي مهيب يخلع القلوب ويملأ نفوس القلة المستضعفة في الأرض عزة وسكينة، وهو مشهد حملة العرش الأطهار ومن حوله وهم يسبحون بحمد ربهم، ثم ينعطفون مستغفرين للمؤمنين التائبين داعين لهم بالجنة والوقاية من السيئات وعذاب الجحيم وجمعهم بأهلهم الصالحين: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا...}، ليعلم المؤمن المحارب في الأرض أنه ليس وحده، بل إن صفوة خلق الله في أعظم أرجاء الكون تسأل الله له النجاة والنصرة والجنة.
{وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ}.
تقديم مشهد حشري فريد يخلع القلوب؛ حين يحشر أعداء الله إلى النار يوزعون، حتى إذا ما جاؤوها شهدت عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون؛ فينقلب الكافر معاتباً جسده: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}؛ ليعلم الإنسان أن أجهزته وحواسه التي استعملها في معصية الله ستنقلب عليه شهود عدل تفضح سرائره.
رجاء زوال العداوة، وضبط ما يجوز وما يمتنع من المعاملة.
عقّبت السورة على الأمر بالبراءة برجاء إلهي: {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً}؛ فقررت أن العداوة حال طارئة قابلة للزوال لا وصفاً أبدياً لازماً.
{سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ}؛ فبيّن أن الشفاعة لا تنفع مع إصرار وامتناع عن التوبة؛ إذ لُوّيت رؤوسهم عن الدعوة إليها.
افتُتحت السورة بلفظ مفرد مرفوع مجرد من كل ما يُعلّقه بغيره: {الْحَاقَّةُ}، ثم استُفهم عنه استفهام تعظيم: {مَا الْحَاقَّةُ}، ثم قُطع الطمع في إحاطة العقل بها: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ}. فالمنهج تهويل قبل تعليل، وتعظيم قبل تفصيل؛ لتُهيَّأ النفس لتلقّي ما بعده.
بعد مشاهد الهلاك جاء مشهد النجاة في الجارية: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}؛ فالسنّة الإلهية لا تعمل بالإهلاك وحده بل بالإهلاك والإنجاء معاً؛ وذلك أدعى لرجاء المؤمن وخوف المعرض. وعُلّل ذلك بغاية تربوية صريحة: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}.
افتتحت السورة بجملة خبرية ماضية {سَأَلَ سَائِلٌ} تحكي استعجالاً وقع، ثم أجابت بوصف العذاب بأنه {وَاقِعٍ} — اسم فاعل يفيد الثبوت — ثم قطعت كل رجاء في دفعه: {لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ}. فالسورة من مطلعها تنسف فكرة «التأجيل» التي يتعلل بها المكذب.
توبيخ المستهزئين وقطع طمعهم والقسم على القدرة والختام بمشهد الخروج.
مقطع {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلى {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} يقطع دابر الطمع الكاذب في الجنة بغير إيمان، ويذكّرهم بأصل خلقهم من ماء مهين، ثم يقسم بربّ المشارق والمغارب على القدرة على استبدالهم بخير منهم، وهو أشد ما يُقرع به المستكبر: أنه ليس بضروري في ملك الله.
جاء دعاؤه {لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} معلَّلاً بعلة نبوية دقيقة {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ}؛ فهو دعاء مبني على علم بحالهم وحال ذريتهم، وقد أعلمه الله من قبل: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ}.
الوفاء بالنذر، والخوف من يوم مستطير شره، وإطعام الطعام على حبه للمسكين واليتيم والأسير، وتجريد النية لوجه الله دون طلب جزاء ولا شكور.
من طغى وآثر الحياة الدنيا فمأواه الجحيم، ومن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فمأواه الجنة؛ وهو ميزان دقيق يجعل مدار النجاة على خوف المقام وجهاد الهوى.
{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}؛ جملتان متوازيتان في البناء متقابلتان في المضمون، ليس بينهما منزلة ثالثة في هذا المقام؛ ثم تُتبع الثانية بما يقطع رجاء الخروج: {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}.
خُتمت السورة بـ {وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا}؛ فالله سبحانه لا يستبقي في العقوبة كما يستبقي الملوك خوف عاقبة، لأنه عادل في حكمه لا يُسأل عما يفعل.
{فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}؛ فقيّد الصلي المطلق بالأشقى المكذب المتولي؛ وهو تقييد يفتح باب الرجاء لأهل التوحيد ويسد باب الاتكال على مجرد الدعوى.
ختمت السورة بأن هذه الليلة {سَلَامٌ} من أولها إلى مطلع الفجر؛ فالمقادير التي تُكتب فيها لا يصحبها في ليلتها شر ولا أذى؛ وهو ختام يجمع بين الطمأنينة والرجاء.
إحكام الإطباق وقطع كل رجاء في الخروج.
ختمت السورة بـ{إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ}؛ فقابلت الخلود الموهوم في الدنيا بإطباق حقيقي في الآخرة؛ فمن طلب البقاء من غير بابه أُعطي بقاءً هو عين ما كان يفرّ منه.
جُعل الجواب وحياً منقولاً لا رأياً للنبي ﷺ؛ فأُخرج الأمر من دائرة الاجتهاد الشخصي إلى دائرة التبليغ الملزم؛ وفي هذا قطع لطمع المساومين في أن يلين الأمر باللقاء والمراجعة.
السورة لم تُعلّم دفع الشر بالتمائم ولا بالطلاسم ولا بمقابلة السحر بالسحر، وإنما علّمت كلمة يقولها العبد بلسانه ويعقدها بقلبه؛ فجعلت الحصن في الالتجاء لا في الوسائل.