«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (رواه البخاري ح ٧٥٦ ومسلم ح ٣٩٤). - وقيل نزلت مرتين؛ مرة بمكة حين فرضت الصلاة، ومرة بالمدينة حين حُولت القبلة، تعظيماً لشأنها وفضلها.
- سورة البقرة هي سنام القرآن، وذروة بهائه، وفسطاطه العظيم؛ روى الترمذي في *جامعه* (ح ٢٨٧٨) بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن؛ آية الكرسي». - وتسمى مع آل عمران «الزهراوين» لضيائهما ونورهما العظيم يوم القيامة؛ روى مسلم في *صحيحه* (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، ح ٨٠٤) عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا». - وتطرد الشياطين من البيوت وتبطل السحر؛ روى مسلم في *صحيحه* (ح ٨٠٤) عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ (أي السحرة)».
{يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. ### ٥. المحور الخامس: المحاكمة العقدية لأهل الكتاب ومشهد القيامة الأكبر (الآيات ٦٧ - ١٢٠) - أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ المطلق مع ضمان العصمة الإلهية من الناس.
- المشهد الأخروي المهيب لحوار أصحاب الجنة وأصحاب النار، وموقف رجال الأعراف كحلقة وصل ورجاء تفصل بين الدارين.
تصوير حقيقة الحياة الدنيا كغيث أخرج نبات الأرض فازينت ثم أتاها أمر الله ليلاً أو نهاراً فجعلها حصيداً كأن لم تغنَ بالأمس، والدعوة إلى دار السلام، وبيان مشهد الحشر الأكبر وتبرؤ الشركاء من عابديهم.
رفع السماوات بغير عمد، تسخير الشمس والقمر، مد الأرض وجعل الرواسي والأنهار، والقطع المتجاورات في الأرض التي تسقى بماء واحد ويفضل بعضها على بعض في الأكل؛ وكلها شواهد عقلية على البعث والتوحيد.
إيراد أعظم خطبة للمخادع الأكبر إبليس يوم القيامة حين يقضي الأمر فيتبرأ من أتباعه معلناً: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم}.
المقصد الكلي الناظم لآيات سورة النحل هو: **«الاستدلال بفيض النعم الإلهية المشهودة والآلاء المبثوثة في الآفاق والأنفس على تفرد الله تعالى بالألوهية والربوبية والقدرة على البعث، وإلزام العباد بشكر المنعم بالتوحيد والاستقامة، ودحض الشرك ببيان عجز الشركاء المطلق عن الخلق والإنعام»**. فالسورة الكريمة سفر التوحيد الأعظم الذي يخاطب العقول والفطر عبر نافذة المشاهدات اليومية والنعم الملموسة؛ لتبين أن المنفرد بالخلق والرزق والإمداد وتدبير الأكوان هو وحده المستحق للعبادة والخضوع، وأن تسوية العاجز المخلوق بالخالق المنعم سفاهة عقلية وانتكاسة فطرية. ---
مواجهة المنكرين الذين قالوا: {أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا}، وتذكيرهم بالنشأة الأولى من العدم {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا}، وعرض مشاهد المحشر الأليم وإحضار الجاحدين حول جهنم جثياً.
استعراض قصة آدم عليه السلام وتحذيره من كيد إبليس، وبيان أن من اتبع هدى الله فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكره فإن له معيشة ضنكاً ويحشر يوم القيامة أعمى.
{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ}.
تقرير أن جميع الرسل بعثوا بكلمة التوحيد الواحدة: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}.
تجريد الإحرام يشبه الكفن، وزحام عرفات يذكر بالحشر، ورمي الجمار والطواف يرسخان العبودية والتذلل لله وحده.
الاستدلال الإعجازي بأطوار تخليق الإنسان في الأرحام (من سلالة من طين، إلى نطفة، فعلقة، فمضغة، فعظام، فكساء العظام لحماً، ثم الإنشاء خلقاً آخر)، والاستدلال بطرائق السماء السبع، وإنزال الماء بقدر لإحياء الزروع وجنات النخيل والأعناب وشجرة الزيتون المباركة، وتسخير الأنعام والفلك؛ لتثبيت عقيدة البعث والنشور بعد الموت.
كشف اغترار أهل الكفر بما يمدون به من مال وبنين وظنهم أن ذلك مسارعة في الخيرات، وبيان أن المستكبرين تتقلب قلوبهم في غمرة وجهالة، وأنهم عند حلول العذاب يجهرون بالاستغاثة فلا ناصر لهم؛ ودحض شبهاتهم المتناقضة حول شخص النبي صلى الله عليه وسلم وادعاء الجنة، وإفحامهم بالأسئلة الكونية البديهية (لمن الأرض؟ من رب السماوات السبع؟ من بيده ملكوت كل شيء؟).
تصوير لحظة الاحتضار ونداء الكافر المتأخر: {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا} وقطع رجائه بالبرزخ الحائل، ثم هول النفخ في الصور وانقطاع الأنساب وخفة الموازين وكلوح الوجوه في النار، وتوبيخهم على استهزائهم بالمؤمنين في الدنيا، وختام السورة بالسؤال الحاسم عن قصر عمر الدنيا، وتنزيه الملك الحق عن خلق الوجود عبثاً وسدى.
ممثلاً في فرعون وملئه وهامان وجنودهم المستعلين بغير حق {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}؛ وجزاؤهم الغرق والإهانة وجعلهم أئمة يدعون إلى النار.
مدرسة الثبات العقدي في مواجهة فتن الشرك والتهديد بالنار المحرقة، والهجرة المجردة إلى الله.
تبدأ السورة بنبوءة تاريخية غيبية، وتختم بتقرير حقائق الخلق والبعث؛ لتؤكد للمؤمنين أن أحداث السياسة وصراعات الدول الكبرى ليست فوضى عارمة ولا صدفاً عمياء، بل تجري بتقدير العزيز الحكيم: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ}.
بعد الأمر بالتسبيح والحمد في طرفي النهار والأوقات البينية، تفتح السورة سلسلة الآيات الكبرى المصدرة بقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ}: - خلق الإنسان من تراب وانتشاره في الأرض. - خلق الأزواج والسكينة والمودة والرحمة الأسرية. - خلق السماوات والأرض واختلاف الألسن والألوان كآيات لأولي النهى والعالمين. - آية النوم بالليل والنهار وابتغاء فضل الله. - آية البرق خوفاً وطمعاً وإنزال الماء وإحياء الأرض بعد موتها. - آية قيام السماء والأرض بأمره، ودعوة البعث بالنفخة والخروج من الأرض.
تقرير أن الفساد البيئي والأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي نتاج كسب أيدي الناس وعصيانهم، ليريهم الله بعض عواقب أعمالهم لعلهم يرجعون: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}.
تستهل السورة بوصف القرآن بأنه {الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}، هادٍ وراحم للمحسنين الذين جمعوا بين إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، واليقين بالآخرة.
{وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}.
- تخيير نساء النبي صلى الله عليه وسلم بين زهرة الدنيا وفراق الرسول، وبين الله ورسوله والدار الآخرة، واختيارهن جميعاً لله ورسوله.
- سؤال الناس عن الساعة وبيان اختصاص الله بعلمها ودنو أجلها. - لعن الكافرين وتصوير تقليب وجوههم في النار وحسرتهم على طاعة السادة والكبراء. - النهي عن أذية النبي وتبرئته كما برأ الله موسى مما قالوا. - الوصية بالتقوى والقول السديد لصلاح الأعمال وغفران الذنوب والفوز العظيم. - المشهد الكوني المهيب لعرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين حملها وأشفقن منها وحملها الإنسان بظلمه وجهله، وانقسام الناس إلى معذبين ومغفور لهم.
{عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}؛ رداً على منكري البعث الذين زعموا أن الأجساد إذا تفرقت وبليت في التراب استحال جمعها.
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}؛ فليست رسالته مقصورة على قومه أو زمانه، بل هي هداية تامة للخلق أجمعين.
{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}، ثم حلول العذاب المستأصل بالمكذبين بصيحة واحدة هادئة أخمدت أنفاسهم.
{مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا}، وتمايز الصفوف التام بين أصحاب الجنة المتنعمين في ظلال الكرامة وسلام من رب رحيم، وبين المجرمين المنبوذين المفضوحين بشهادة أيديهم وأرجلهم.
{مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}، وجاء الجواب الإلهي الصاعق في خواتيم السورة: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}، والاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضر، وخلق السماوات والأرض، وختام السورة بتقرير نفوذ كلمة «كن» المطلقة وتنزيه مالك الملكوت: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.