دعوة النبي ﷺ والمؤمنين إلى الثبات على الحق، والتوكل على الله، والصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين، والبشارة لأولياء الله بأنه {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۚ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۚ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}.
التجلي الأعظم ليقين يعقوب عليه السلام حين استقبل الفواجع المتتالية (فقد يوسف، ثم فقد بنيامين، ثم احتباس كبيرهم)، فلم يزد على قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}، محذراً من اليأس: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}.
تقرير القاعدة الكلية الصارمة في أول السورة: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}. فالإيمان ليس كلمة تقال باللسان، بل هو أمانة ثقيلة وميثاق غليظ يستلزم التضحية والصبر واجتياز الامتحانات.
مدرسة الصبر الزمني الطويل في مواجهة الاستهزاء والجمود: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا}.
ختام السورة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه بالصبر وعدم الانزعاج من استفزاز المكذبين الفاقدين لليقين: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ}.
إقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ما يصيب الداعية من أذى الناس: {إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}.
- المقصد المحوري للسورة هو **«تحقيق كمال الانقياد لأمر الله وتجريد الاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم، وتطهير المجتمع المسلم من رواسب وأعراف الجاهلية، وحفظ الهيبة والقداسة لمقام النبوة والبيت النبوي، وتثبيت الأمة في مواجهة تحالف قوى الباطل بالصبر واليقين وحمل الأمانة الكبرى»**.
{النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}. - ميثاق النبيين الغليظ في تبليغ الرسالة والصبر عليها.
رسم أرقى مناهج الدعوة إلى الله والتعامل مع الخصوم؛ بتقرير فضل الدعوة: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، ودفع السيئة بالتي هي أحسن لتحويل العداوة إلى ولاية وصداقة حميمة، والتحلي بالصبر العظيم والحظ الوافر، والاستعاذة بالله من نزغات الشيطان.
{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ}.
نفي فرية اليهود الذين زعموا أن الله استراح في اليوم السابع {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}، وتوجيه النبي والمؤمنين إلى مداومة التسبيح والذكر آناء الليل وأطراف النهار، والتذكير الدائم بهذا القرآن المجيد.
طمأنة النبي صلى الله عليه وسلم بالبشارة الإلهية العظيمة: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، وتوجيهه إلى التسلح بالصبر الدائم وتسبيح بحمد ربه في أدبار الليل وإدبار النجوم.
خاتمة السكينة والأمر بالصبر لحكم الرب، والبشارة بالمعية الإلهية الخاصة {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}، ومداومة التسبيح بحمد الله حين يقوم ومن الليل وإدبار النجوم.
المحاكمة العقلية للمكذبين، ومشهد الكشف عن الساق، والأمر بالصبر، وخاتمة السورة.
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ}؛ فالنهي عن مشابهة يونس عليه السلام في العجلة نهي عن استعجال العقوبة، مع تقرير أن الله تداركه واجتباه؛ فليس المقصود ذمّه بل تعليم غيره.
السؤال المستعجل والجواب بالعظمة والزمن والصبر.
{إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} تفسير نفسي عميق لموقف المستعجل؛ فالهلع جزع عند الشر ومنع عند الخير، وهو اضطراب في العلاقة بالزمن وبالمال معاً؛ فمن جزع لم يصبر على البلاء، ومن منع لم يشكر في الرخاء، ومن فقد الصبر والشكر فقد فقد طرفي الإيمان.
الأمر بالصبر على المقال والهجر الجميل الذي لا جزع فيه ولا مقابلة بالسوء: {وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}؛ وهو منهج المرحلة المكية حيث لا إذن بالمدافعة.
افتُتحت السورة بنداء التلطف والوصف الحالي، ثم بسبعة أوامر متتابعة على وزن واحد وروي واحد: القيام، والإنذار، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، وترك المنِّ الاستكثاري، والصبر لله. فهذه هي منظومة التكليف الأولى للنبوة: عقيدةٌ في القلب، وطهارةٌ في الظاهر، وبراءةٌ من الوثنية، ونزاهةٌ في الباعث، وثباتٌ على الطريق.
الصبر لحكم الرب، وعدم طاعة آثم أو كفور، وذكر الله بكرة وأصيلاً وسجود بالليل وتسبيح طويل؛ فهو المنهاج نفسه الذي رُسم في سورة المزمل.
انحصرت أسباب النجاة في أربعة، جاءت مرتبة ترتيباً منطقياً محكماً: تصحيح المعتقد، ثم تصديقه بالعمل، ثم تعدية النفع إلى الغير بالتواصي بالحق، ثم حماية المشروع كله بالتواصي بالصبر؛ فلا يقوم لاحقها إلا على سابقها.
أُفرد الصبر بتواصٍ مستقل مع أنه داخل في العمل الصالح؛ إشارة إلى أن حمل الحق والدعوة إليه يورث الأذى، وأن ما لا يُحمى بالصبر لا يبقى؛ فالصبر حارس الأركان الثلاثة قبله.