{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}.
بيان الغاية العليا من القصص القرآني في قوله تعالى: {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}.
التقرير الجازم في مطلع السورة بأن القرآن مصدر للحياة والنور والسعادة، وأن المشاق الدنيوية والابتلاءات التي تعترض الدعاة ليست شقاءً، بل هي اصطناع وتمحيص وسبيل للمجد الأبدي {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ}.
بيان سنة الله في بشرية الرسل وأكلهم الطعام ومشيهم في الأسواق، وجعل الناس بعضهم لبعض فتنة للتمحيص.
تدور سورة العنكبوت حول قطب مركزي أصيل هو: **«سُنة الابتلاء والتمحيص، وحتمية الفتنة في مسيرة الإيمان، وتمييز معادن الصادقين من أدعياء النفاق، وتبيان وهن كل ملاذ يُلجأ إليه من دون الله كوهن بيت العنكبوت، مع بيان زاد الثبات والبشارة بهداية المجاهدين ومعية الله للمحسنين»**.
اختبار حقيقة الانقياد في أتون حصار الأحزاب وغزوة الخندق.
- التذكير بنعمة الله في صرف الأحزاب بالريح والجنود الغيبية.
تحذير من عداوة تصدر من أقرب قريب، مع فتح باب العفو والصفح، وتقرير أن المال والولد فتنة أي ابتلاء يُمتحن به العبد، وأن ما عند الله خير وأبقى.
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}؛ فالوجود كله محكوم بغاية، والمعيار في الابتلاء إحسان العمل لا كثرته، وهي الكلمة التي بُني عليها ميزان العمل في الإسلام كله.
{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ}؛ فالنطفة الممتزجة أصل مادي مهين، والابتلاء غاية وجودية، والسمع والبصر أداتان مُنحتا لأجلها.
أطول مقطع في السورة يعالج خطأً واحداً في التصور: أن الإنسان يقرأ سعة الرزق كرامة من الله ويقرأ ضيقه إهانة منه: {فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ}، {فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}. فردّ الله عليه بـ{كَلَّا} القاطعة، وبيّن أن كليهما ابتلاء واختبار؛ فمقياس الكرامة ليس ما في اليد بل ما في القلب وما تعمله الجوارح.
السورة في جملتها تأسيس لقاعدة تربوية عامة: أن الإمساك الإلهي إعداد لا إعراض، وأن انقطاع المألوف من العطاء تهيئة لعطاء أكبر؛ وهي القاعدة التي يعيش بها كل مبتلى وكل داعية أصابته فترة.