ترسيخ عقيدة الثبات، وتصفية الصف المسلم من شوائب الدخل والهوى، واستخلاص سنن النصر والهزيمة من أحداث غزوة أحد، وتصحيح مفاهيم القضاء والقدر والشهادة.
عرض نماذج من سيرة إبراهيم الخليل عليه السلام ومحاجته لأبيه بالرفق والحكمة ثم مفارقته للأوثان، والثناء على موسى الكليم، وإسماعيل صادق الوعد، وإدريس الرفيع المقام، وبيان انحدار الخلف من بعدهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات، وفتح باب التوبة والرحمة.
تبدأ السورة بنبوءة تاريخية غيبية، وتختم بتقرير حقائق الخلق والبعث؛ لتؤكد للمؤمنين أن أحداث السياسة وصراعات الدول الكبرى ليست فوضى عارمة ولا صدفاً عمياء، بل تجري بتقدير العزيز الحكيم: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ}.
بعد الأمر بالتسبيح والحمد في طرفي النهار والأوقات البينية، تفتح السورة سلسلة الآيات الكبرى المصدرة بقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ}: - خلق الإنسان من تراب وانتشاره في الأرض. - خلق الأزواج والسكينة والمودة والرحمة الأسرية. - خلق السماوات والأرض واختلاف الألسن والألوان كآيات لأولي النهى والعالمين. - آية النوم بالليل والنهار وابتغاء فضل الله. - آية البرق خوفاً وطمعاً وإنزال الماء وإحياء الأرض بعد موتها. - آية قيام السماء والأرض بأمره، ودعوة البعث بالنفخة والخروج من الأرض.
- المقصد المحوري للسورة هو **«تحقيق كمال الانقياد لأمر الله وتجريد الاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم، وتطهير المجتمع المسلم من رواسب وأعراف الجاهلية، وحفظ الهيبة والقداسة لمقام النبوة والبيت النبوي، وتثبيت الأمة في مواجهة تحالف قوى الباطل بالصبر واليقين وحمل الأمانة الكبرى»**.
اختبار حقيقة الانقياد في أتون حصار الأحزاب وغزوة الخندق.
- التذكير بنعمة الله في صرف الأحزاب بالريح والجنود الغيبية.
{إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ}.
{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}. - نهاية المعركة بهزيمة الأحزاب وردهم بغيظهم لم ينالوا خيراً، وإنزال يهود بني قريظة من صياصيهم وقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وتوريث ديارهم وأموالهم للمسلمين.
{مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}، وجاء الجواب الإلهي الصاعق في خواتيم السورة: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}، والاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضر، وخلق السماوات والأرض، وختام السورة بتقرير نفوذ كلمة «كن» المطلقة وتنزيه مالك الملكوت: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
النداء الرباني المفعم بالرحمة: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
استهلال السورة بالبشائر الربانية الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين.
عقّبت السورة على الأمر بالبراءة برجاء إلهي: {عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً}؛ فقررت أن العداوة حال طارئة قابلة للزوال لا وصفاً أبدياً لازماً.
ختمت السورة بنداء المؤمنين ألا تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله، وبالأمر بالإنفاق قبل حضور الأجل؛ فكان علاج الداء في أصله: تعلق القلب بالمال الذي هو أول ما يفتح باب النفاق.
تحذير من عداوة تصدر من أقرب قريب، مع فتح باب العفو والصفح، وتقرير أن المال والولد فتنة أي ابتلاء يُمتحن به العبد، وأن ما عند الله خير وأبقى.
{لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا}؛ فالعدة ليست مجرد مهلة انتظار بل فسحة يُرجى فيها عود القلوب.
{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}؛ فليست اليمين قيداً أبدياً بل لها مخرج مشروع.
افتُتحت السورة بحصر الملك في يده سبحانه، وخُتمت بأربع تحدّيات متتابعة تسلب من الخلق ما توهموه من نصرة ورزق وأمنٍ وماء؛ فما بين المطلع والخاتمة تقريرٌ واحد: ليس بيد أحد سواه شيء.
قابل الله بين اعتراف أهل السعير حين لا ينفع الاعتراف، وبين خشية المؤمن ربَّه في خلوته حيث لا يراه أحد؛ فجعل جزاء الأولى السحق والبعد، وجزاء الثانية {مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}.
الاستثناء {إِلَّا الْمُصَلِّينَ} يفتح باباً لتسع خصال جامعة بين حق الله وحق العباد وحق النفس: دوام الصلاة، وحق المال المعلوم، والتصديق بيوم الدين، والإشفاق من العذاب، وحفظ الفرج، ورعاية الأمانة والعهد، والقيام بالشهادة، والمحافظة على الصلاة. فبُدئت السلسلة بالصلاة وخُتمت بها؛ إشارة إلى أنها السياج الذي يحوط سائر الخصال.
قررت السورة على لسان الجن تنزيه الله عن الصاحبة والولد، ونسبة القول الباطل إلى سفيه لا إلى الحق، والاعتراف بأنهم كانوا يظنون أن أحداً لا يكذب على الله فتبين لهم خلافه؛ فجمعت بين إثبات التنزيه وبين بيان منشأ الضلال وهو حسن الظن بالمبطلين.
أمر الله نبيه أن يعلن أنه لا يملك ضراً ولا رشداً، وأنه لن يجيره من الله أحد، وأنه ليس له إلا البلاغ؛ فقُطعت دعوى من يرفعه فوق منزلة العبودية، كما قُطعت دعوى من ينكر رسالته؛ إذ إن هذا الإعلان نفسه من أظهر دلائل صدقه.
القسم بالشفق والليل وما جمعه وضمّه والقمر إذا تكامل بدراً، على أن الإنسان راكب أطواراً بعد أطوار: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ}؛ فالمقسم به مثال محسوس للمقسم عليه، إذ ينتقل الأفق من حمرة إلى ظلمة، وينتقل القمر من محاق إلى تمام.
بيان أن النفس خُلقت مستوية معتدلة الفطرة، مزوَّدة بأداة التمييز بين الفجور والتقوى؛ فليس أحد يهلك جاهلاً بحقيقة ما يصنع، بل يهلك بعد بيان وتعريف.
{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} و{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}؛ وهي أدق قواعد السورة وأخطرها؛ ومعناها أن الله يفتح للعبد من الأبواب ما يوافق ما بذل من الأسباب؛ فالمُقبِل يُيسَّر للإقبال، والمدبِر يُخلَّى وإدبارَه؛ وليس في ذلك جبر يرفع التكليف، بل عدل يرتب المسبَّب على السبب.
{فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}؛ فقيّد الصلي المطلق بالأشقى المكذب المتولي؛ وهو تقييد يفتح باب الرجاء لأهل التوحيد ويسد باب الاتكال على مجرد الدعوى.
{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}؛ فقُرن الإيمان بالعمل ولم يُفرد أحدهما؛ إذ لا يقوم التصديق بلا أثر، ولا ينفع العمل بلا أصل.
جمعت السورة في سبع آيات بين ركني الدين؛ حق الله في الصلاة الخالصة الحاضرة، وحق العباد في اليتيم والمسكين والماعون؛ فلا يقبل أحدهما مع تضييع الآخر.
قال {نَصْرُ اللَّهِ} فأضاف النصر إلى اسمه سبحانه؛ ولم يقل «نصركم» ولا «نصرك»؛ فقُطعت بذلك كل دعوى في نسبة الفتح إلى عدد أو عدة أو تدبير.
بشارة النصر والفتح ودخول الناس في الدين.
لم تذكر السورة غنيمة ولا سلطاناً ولا مدينة؛ بل ذكرت {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا}؛ فجعلت ثمرة الفتح دخول الناس في الدين لا استيلاء الغالب على المغلوب.
تقرير ذات المعبود بصفتي الأحدية والصمدية.
فالأحدية أخصّ من الواحدية؛ إذ الواحد قد يُثنّى ويُجمع وتنقسم أجزاؤه، والأحد لا يقبل الانقسام في ذاته ولا الشركة في ربوبيته ولا النظير في ألوهيته.