ترسيخ عقيدة الثبات، وتصفية الصف المسلم من شوائب الدخل والهوى، واستخلاص سنن النصر والهزيمة من أحداث غزوة أحد، وتصحيح مفاهيم القضاء والقدر والشهادة.
عرض منهج الخليل إبراهيم عليه السلام في الاستدلال بالأجرام السماوية (الكوكب، القمر، الشمس) لإبطال عبادة المتغيرات الفانية وإثبات وحدانية فاطر السماوات والأرض: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا}.
رفع السماوات بغير عمد، تسخير الشمس والقمر، مد الأرض وجعل الرواسي والأنهار، والقطع المتجاورات في الأرض التي تسقى بماء واحد ويفضل بعضها على بعض في الأكل؛ وكلها شواهد عقلية على البعث والتوحيد.
ختام السورة بتقرير كمال العدل الإلهي: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}، وتصوير اليوم الهائل الذي تشخص فيه الأبصار وتبدل فيه الأرض غير الأرض والسماوات ويبرز الخلائق لله الواحد القهار.
تقرير أن جميع الرسل بعثوا بكلمة التوحيد الواحدة: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}.
(موسى، إبراهيم، نوح، هود، صالح، لوط، وشعيب عليهم السلام) لتقرير حقيقة واحدة: التكذيب سنة الغاوين، والنصر والعزة خاتمة المتقين.
تبدأ السورة بنبوءة تاريخية غيبية، وتختم بتقرير حقائق الخلق والبعث؛ لتؤكد للمؤمنين أن أحداث السياسة وصراعات الدول الكبرى ليست فوضى عارمة ولا صدفاً عمياء، بل تجري بتقدير العزيز الحكيم: {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ}.
{مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}. - إبطال أحكام الظهار الجاهلية التي تحرم الزوجة كالأم.
{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}، ثم حلول العذاب المستأصل بالمكذبين بصيحة واحدة هادئة أخمدت أنفاسهم.
{مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}، وجاء الجواب الإلهي الصاعق في خواتيم السورة: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}، والاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضر، وخلق السماوات والأرض، وختام السورة بتقرير نفوذ كلمة «كن» المطلقة وتنزيه مالك الملكوت: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
{إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
افتُتحت السورة بأعلى ما يمكن أن تُكرَّم به دعوى ضعيف؛ إذ نزل الوحي من فوق سبع سماوات في قضية امرأة واحدة، وسُمّيت السورة باسمها؛ فتقرر أن الضعف ليس مسوّغاً لإهمال الحق.
علّلت السورة ما نزل بهم بعلة واحدة صريحة: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}؛ فليست المسألة عداوة عنصرية ولا نزاعاً على أرض، بل مشاقّة للوحي بعد المعرفة به ونكثاً لميثاق مؤكد.
تسجيل شهادة عيسى عليه السلام بنبوة محمد ﷺ باسمه الصريح {اسْمُهُ أَحْمَدُ}؛ فهو تصديق سابق لاحق، وحجة على أهل الكتاب في إعراضهم، وربط بين حلقات الوحي في سلسلة واحدة.
أربع بشارات مرتبة على شرط واحد؛ {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}، {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، {يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}، {يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا}.
افتُتحت السورة بحصر الملك في يده سبحانه، وخُتمت بأربع تحدّيات متتابعة تسلب من الخلق ما توهموه من نصرة ورزق وأمنٍ وماء؛ فما بين المطلع والخاتمة تقريرٌ واحد: ليس بيد أحد سواه شيء.
قابل الله بين اعتراف أهل السعير حين لا ينفع الاعتراف، وبين خشية المؤمن ربَّه في خلوته حيث لا يراه أحد؛ فجعل جزاء الأولى السحق والبعد، وجزاء الثانية {مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}.
أَلَكم كتاب تدرسون فيه ما تدّعون؟ أَلكم أيمان علينا؟ أَلكم شركاء يشهدون؟ أعندكم علم الغيب؟ فتُغلق أمامهم كل منافذ الاحتجاج واحداً بعد واحد.
نفخة واحدة تكفي لانهيار البناء كله: حمل الأرض والجبال ودكّهما دكة واحدة، ووقوع الواقعة، وانشقاق السماء حتى تصير واهية، وقيام الملائكة على أرجائها، وحمل ثمانية للعرش فوقهم. فالبناء الذي بُني بكلمة يُنقض بنفخة، وذلك أهون في حق القدرة من الابتداء.
النفخة الواحدة وانتقاض بناء الكون وعرض الخلائق.
ساقت السورة سلسلة من البراهين المتدرجة من الأقرب إلى الأبعد ثم العود إلى الأقرب: خلق الإنسان أطواراً، ثم السماوات السبع طباقاً، ثم القمر نوراً والشمس سراجاً، ثم الإنبات من الأرض، ثم البعث منها، ثم بسط الأرض وتيسير سبلها؛ فتكامل البرهان من النفس إلى الأفق إلى المعاد إلى المعاش.
قررت السورة على لسان الجن تنزيه الله عن الصاحبة والولد، ونسبة القول الباطل إلى سفيه لا إلى الحق، والاعتراف بأنهم كانوا يظنون أن أحداً لا يكذب على الله فتبين لهم خلافه؛ فجمعت بين إثبات التنزيه وبين بيان منشأ الضلال وهو حسن الظن بالمبطلين.
أمر الله نبيه أن يعلن أنه لا يملك ضراً ولا رشداً، وأنه لن يجيره من الله أحد، وأنه ليس له إلا البلاغ؛ فقُطعت دعوى من يرفعه فوق منزلة العبودية، كما قُطعت دعوى من ينكر رسالته؛ إذ إن هذا الإعلان نفسه من أظهر دلائل صدقه.
ضرب المثل بإرسال رسول إلى فرعون وعصيانه وأخذه أخذاً وبيلاً؛ ليعلم مكذبو قريش أن سنة الله في المكذبين واحدة لا تتبدل.
افتُتحت السورة بنداء التلطف والوصف الحالي، ثم بسبعة أوامر متتابعة على وزن واحد وروي واحد: القيام، والإنذار، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، وترك المنِّ الاستكثاري، والصبر لله. فهذه هي منظومة التكليف الأولى للنبوة: عقيدةٌ في القلب، وطهارةٌ في الظاهر، وبراءةٌ من الوثنية، ونزاهةٌ في الباعث، وثباتٌ على الطريق.
أقسم الله بيوم القيامة وبالنفس اللوامة؛ فجمع بين أعظم شاهد خارجي (اليوم الموعود) وأعظم شاهد داخلي (الضمير الذي يلوم صاحبه)؛ فالمقسَم به من جنس المقسَم عليه، والدليل على البعث قائم في الأفق وفي النفس معاً.
{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا}؛ آية واحدة موجزة قابلها في المقابل ثمانية عشر آية في نعيم الأبرار؛ وهذه القسمة نفسها رسالة في سبق الرحمة للغضب.
أقسم الله بخمس صفات جارية على موصوف مبهم — {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا} — ثم جاء المقسم عليه في جملة واحدة موجزة قاطعة: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ}؛ فالقسم مبسوط والجواب موجز، وهذا من أبلغ ما يكون في تقرير الخبر.
ظل المكذبين {ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَّا ظَلِيلٍ}، وظل المتقين {فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ}؛ فاللفظ واحد والحقيقة متقابلة؛ وهذا من أدق ما في نظم السورة.
نقلت السورة استنكارهم: {أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ}، ثم لم تطل في الجدل، بل حسمته بجواب قاطع: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ}؛ أي إن الأمر الذي استبعدتموه لا يحتاج إلا صيحة واحدة.
عرضت السورة اثنتي عشرة علامة مصدَّرة بـ {إِذَا} في نسق واحد لا يتخلله فاصل ولا استئناف؛ من تكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال، إلى تعطيل العشار وحشر الوحوش وتسجير البحار، إلى تزويج النفوس وسؤال الموءودة ونشر الصحف وكشط السماء وتسعير الجحيم وإزلاف الجنة. وهذا النسق المتصاعد يهيئ النفس لجواب واحد قصير خاطف: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ}.
تقرير أن حياة الإنسان كلها سعي شاق متواصل نحو غاية واحدة لا مفرّ منها: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}؛ فالسير قائم شاء العبد أم أبى، وإنما الخيار في وجهة السير ونتيجة اللقاء.
ختم مقطع الوعيد بسلسلة من أوصاف الجلال والجمال: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ}، {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ}، {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ}، {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ}، {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}؛ فجُمعت القدرة والإعادة والمغفرة والمودة والملك والنفوذ في نسق واحد؛ إذ لا يثبت القلب بمجرد الوعد حتى يعرف صفة الواعد.
عرضت السورة الفريقين بأسلوب واحد ــ يبدأ كل مشهد بـ{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ} ــ ثم فرّقت بينهما بالوصف؛ فصار المشهدان لوحتين متقابلتين في إطار واحد؛ وهذا أبلغ في تثبيت الفرق من عرضهما متباعدين.
عرض القرآن ثلاثة نماذج متدرجة من الطغيان: عاد وقوتها في الأجساد والبنيان، وثمود وبراعتها في نحت الصخر واستيثاق المساكن، وفرعون وسلطانه المؤيد بالأوتاد؛ فاستوعبت هذه النماذج صور القوة الثلاث: قوة البدن، وقوة الصنعة، وقوة الملك. ثم جمعها كلها في وصف واحد: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}، وختمها بحكم واحد: {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}.
أطول مقطع في السورة يعالج خطأً واحداً في التصور: أن الإنسان يقرأ سعة الرزق كرامة من الله ويقرأ ضيقه إهانة منه: {فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ}، {فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}. فردّ الله عليه بـ{كَلَّا} القاطعة، وبيّن أن كليهما ابتلاء واختبار؛ فمقياس الكرامة ليس ما في اليد بل ما في القلب وما تعمله الجوارح.
بيان أن النفس خُلقت مستوية معتدلة الفطرة، مزوَّدة بأداة التمييز بين الفجور والتقوى؛ فليس أحد يهلك جاهلاً بحقيقة ما يصنع، بل يهلك بعد بيان وتعريف.